خطأ علمي قاتل.. كرة صغيرة أنهت حياة علماء وكشفت أخطر أسرار العصر النووي

في مختبرات شديدة السرية خلال حقبة سباق التسلح النووي، لم يكن الخطر دائما يأتي على شكل انفجارات هائلة أو تجارب عسكرية على نطاق واسع، بل أحيانا كان يكمن في تفاصيل صغيرة لا يتجاوز حجمها كفّ اليد. قطعة واحدة من مادة نووية، صُممت بعناية شديدة لتكون جزءا من سلاح يفوق الخيال، تحولت فجأة إلى مصدر رعب داخل غرف التجارب المغلقة، وكشفت مدى هشاشة السيطرة البشرية على القوى الذرية.

في ذلك الوقت، كان العلماء يسابقون الزمن لفهم سلوك المواد النووية واقترابها من نقطة حساسة تُعرف بالكتلة الحرجة، وهي اللحظة التي يمكن فيها لتفاعل صغير جدا أن يتحول إلى سلسلة تفاعلات خطيرة وغير قابلة للتوقف. وبينما بدت التجارب للوهلة الأولى محسوبة بدقة، كانت بعض اللحظات كفيلة بقلب النتائج إلى كوارث لم تكن في الحسبان.

وسط هذا المناخ العلمي المليء بالمخاطر، وقعت أحداث مأساوية أثبتت أن الخطأ في عالم الذرة لا يُقاس بالثواني فقط، بل قد يُقاس بالأرواح. فمجرد انزلاق أداة، أو اقتراب غير محسوب لمادة عاكسة للنيوترونات، كان كافيًا لإطلاق إشعاعات قاتلة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تترك أثرها العميق على من يقترب منها.

هكذا بدأت القصة التي ستُعرف لاحقا بأنها واحدة من أخطر الحوادث في تاريخ الفيزياء النووية، قصة لم تُغيّر فقط مصير العلماء الذين كانوا جزءا منها، بل غيّرت أيضا قواعد السلامة في المختبرات إلى الأبد، وجعلت العالم أكثر حذرا أمام القوة التي يمكن أن تختبئ داخل كرة صغيرة جدًا.

كانت هذه النواة عبارة عن كرة من البلوتونيوم، صُممت لتكون قلب قنبلة نووية ثالثة كان من المخطط استخدامها ضد اليابان. لكن مع نهاية الحرب، لم تُستخدم كسلاح، بل تحولت إلى أداة تجارب داخل المختبرات، حيث حاول العلماء فهم سلوك المواد النووية عند الاقتراب من ما يُعرف بـ الكتلة الحرجة، وهي النقطة التي يبدأ عندها التفاعل النووي بالتسارع بشكل خطير.

في عام 1945، وقعت أولى الحوادث المأساوية عندما كان الفيزيائي هاري داغليان يجري تجربة بمفرده. أثناء عمله، أسقط عن طريق الخطأ قطعة من مادة عاكسة للنيوترونات فوق النواة، ما أدى إلى دخولها في حالة حرجة. حاول تدارك الموقف بسرعة، لكنه كان قد تعرض بالفعل لجرعة إشعاع قاتلة، ليفارق الحياة بعد أسابيع من المعاناة.

لكن الحادثة الثانية كانت أكثر شهرة وخطورة. ففي عام 1946، أجرى الفيزيائي لويس سلوتين تجربة مشابهة، لكنه استخدم طريقة شديدة الخطورة، حيث كان يفصل بين مكونات التجربة باستخدام مفك براغي فقط. في لحظة خاطفة، انزلق المفك، فانطبقت الأجزاء حول النواة، وحدث وميض أزرق مخيف وهو دليل على تفاعل نووي لحظي. تلقى سلوتين جرعة مميتة من الإشعاع، وتوفي بعد أيام، بينما نجا زملاؤه لأنه امتص معظم الإشعاع بجسده، وفقا لموقع ".iflscience".

بعد هاتين الحادثتين، لم تعد هذه الكرة من البلوتونيوم مجرد مادة نووية داخل أحد المختبرات السرية، بل تحولت إلى رمز مرعب في تاريخ الفيزياء، وأُطلق عليها اسم "نواة الشيطان". لم يكن هذا الاسم رسميا، لكنه جاء ليعكس الصدمة التي خلّفتها الحوادث المتتالية التي وقعت حولها، وكيف يمكن لتجربة علمية صغيرة أن تتحول في لحظات إلى كارثة قاتلة.

لم يكن الخطر في هذه النواة مرتبطا بحجمها أو شكلها، بل في طبيعتها النووية شديدة الحساسية، حيث كانت قادرة على الدخول في حالة تفاعل متسلسل عند أدنى خطأ في الحسابات أو أبسط إهمال في إجراءات الأمان. هذا جعلها أشبه بقنبلة غير مكتملة، تنتظر فقط لحظة غير محسوبة لتكشف قوتها المدمرة.

لكن ما جعل اسم نواة الشيطان يترسخ في الذاكرة العلمية ليس فقط الحوادث نفسها، بل ما كشفته من حقيقة أعمق، أن الإنسان، رغم تقدمه العلمي الكبير، لا يزال قد يواجه قوى تفوق قدرته على التحكم الكامل. ففي عالم الذرة، لا مجال للتجربة العشوائية أو الخطأ البسيط، لأن النتائج قد تكون فورية ولا يمكن الرجوع عنها.

كما أن هذه الحوادث شكلت صدمة داخل المجتمع العلمي، إذ دفعت إلى إعادة التفكير جذريا في أساليب البحث داخل المختبرات النووية، وفرضت معايير أمان أكثر صرامة، تعتمد على التحكم عن بعد وتقليل التدخل البشري المباشر في التجارب الخطرة.