الزئبق.. بريق الفضة الذي أخفى الموت في طياته

على مر العصور، سعى البشر خلف المواد النادرة والفريدة ظناً منهم أنها تحمل سر الشفاء أو الخلود. ومن بين كل العناصر، حظي الزئبق بمكانة استثنائية؛ فببريقه الفضي المذهل وقدرته الفريدة على البقاء سائلاً في درجات الحرارة العادية، اعتُبر "المعدن الحي" أو "الفضة السريعة". ولكن، خلف هذا المظهر الساحر، يختبئ تاريخ طويل من المعاناة والموت، حيث تحول ما كان يُعتقد أنه "ترياق" إلى سمّ فتاك أهلك الملايين.

الزئبق في الطب القديم

في القرون الماضية، لم يكن الطب يعتمد على المنهج العلمي الحديث، بل على نظرية "الأخلاط الأربعة". في هذا السياق، كان الزئبق يُستخدم كعلاج أساسي لأمراض مستعصية، وعلى رأسها مرض الزهري الذي اجتاح أوروبا. كان الأطباء يصفون لمرضاهم "التبخير بالزئبق"، حيث يُحبس المريض في غرفة ساخنة مشبعة بأبخرة المعدن، أو يُدهن جسده بمراهم ثقيلة تحتوي عليه.

كانت الأعراض الجانبية تظهر سريعاً، سيلان لعاب مفرط، تقرحات في الفم، وتساقط الأسنان. المثير للدهشة هو أن الأطباء في ذلك الوقت اعتبروا هذه العلامات دليلاً على نجاح العلاج! فقد ظنوا أن الجسم يطرد "السموم" عبر اللعاب، بينما كان الواقع أن المريض يعاني من بوادر الفشل الكلوي وتلف الأعصاب الحاد.

في عام 1821، توفي الشاعر الرومانسي الإنجليزي جون كيتس عن عمر يناهز 25 عاماً بعد إصابته بمرض السل. ورغم أن أعماله ألهمت العديد من الشعراء المؤثرين طوال القرن التاسع عشر، إلا أن حياته القصيرة كانت مليئة بالمعاناة الشديدة، خاصة في الفترة التي سبقت وفاته المبكرة. ولكن بينما يعرف الكثيرون دور السل في وفاته النهائية، فإن عدداً أقل يعرفون أن صحة الشاعر ربما تضررت بسبب التأثيرات القاتلة لـ«العلاجات» التي استخدمها لعلاج نفسه.

لمدة عامين على الأقل قبل وفاته، كان كيتس يتناول الزئبق كعلاج لمرضه. خلال القرن التاسع عشر، كان هذا المعدن الثقيل مكوناً شائعاً في العلاجات الخاصة بأمراض مثل السل والزهري، بالإضافة إلى الزحار والروماتيزم وغيرها. ورغم أنه من الواضح أن الشاعر مات بسبب مرضه، إلا أن المؤرخين والسير الذاتية يشتبهون في أن تسمم الزئبق أثر على سنواته الأخيرة، خاصة أنه يمكن أن يؤدي إلى تساقط الشعر واضطرابات الجهاز الهضمي وتقلبات المزاج، وكلها أعراض يبدو أنه عانى منها.

لا يوجد في تاريخ الطب مادة لها قصة أكثر إثارة وفتكاً من الزئبق، كما توضح قصة كيتس الحزينة. في الواقع، لم يكن كيتس الشخصية البارزة الوحيدة في القرن التاسع عشر التي ربما تسممت بعلاجاتها. قد يكون الشاعر الأمريكي إدغار ألان بو قد عانى أيضاً من تسمم الزئبق بعد تلقيه علاجاً عند تعرضه للكوليرا في يوليو 1849. وُصف له الكالوميل (كلوريد الزئبق)، والذي ربما تسبب له في مشاكل قبل وفاته. ومع ذلك، لا يمكن القول إنه قتله، لأن مستويات الزئبق كانت منخفضة جداً، حتى في أعلى تركيزاتها.

لقرون وعبر ثقافات مختلفة، اعتُبر المعدن الفضي اللامع يمتلك صفات شبه خارقة، مما أدى للأسف إلى أن يستهلكه الكثير من الناس بطريقة أو بأخرى، غالباً على حسابهم.

أباطرة الخلود وضريبة "الفضة السريعة"

لم يتوقف استخدام الزئبق عند العلاج فحسب، بل امتد ليدخل في "إكسير الحياة". في الصين القديمة، اعتقد الكيميائيون أن المعدن الذي لا يفنى بالحرارة يمكن أن يمنح الإنسان حياة أبدية. الإمبراطور تشين شي هوانغ، باني سور الصين العظيم، تناول كميات مهولة من حبوب الزئبق لضمان بقائه في الحكم للأبد. بدلاً من ذلك، تسبب الزئبق في تدهور قواه العقلية وإصابته بجنون العظمة، مما أدى لوفاته في سن مبكرة، تاركاً وراءه جيش "التراكوتا" يحرس قبره المحاط بخنادق من الزئبق السائل.

الزئبق في الحياة اليومية

حتى في العصور الأحدث، ظل الزئبق جزءاً من الصيدلية المنزلية. كان الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن يتناول بانتظام حبوباً تُعرف بـ "الكتلة الزرقاء" (Blue Mass) لعلاج نوبات الاكتئاب والإمساك. لم تكن هذه الحبوب سوى خليط من الزئبق النقي المسحوق. يفسر المؤرخون نوبات الغضب المفاجئة التي كانت تنتاب لينكولن قبل توقفه عن تناولها بأنها كانت نتيجة مباشرة للتسمم العصبي، الذي يسببه تراكم الزئبق في الدماغ.

صناع القبعات والجنون المهني

لم تقتصر المأساة على المرضى، بل امتدت للصناعيين. في القرن التاسع عشر، استُخدمت نترات الزئبق لمعالجة فراء الحيوانات لصناعة القبعات الفاخرة. استنشاق الأبخرة يومياً أدى لإصابة العمال بارتعاشات لا إرادية، هلاوس سمعية، واضطرابات شخصية حادة. هذا الواقع المرير خلدته الأدبيات العالمية في شخصية "صانع القبعات المجنون" في رواية أليس في بلاد العجائب.