أعادت دراسة علمية جديدة فتح واحد من أكثر الأسئلة إثارة في علم الآثار، متى وكيف وصل البشر إلى الأمريكتين؟ فبعد عقود من اعتبار موقع مونتي فيردي في جنوب تشيلي دليلاً حاسماً على وجود بشري مبكر، تشير نتائج حديثة إلى أن عمر الموقع قد يكون أحدث بكثير مما كان يُعتقد، ما قد يقلب السردية التاريخية رأسا على عقب.
لطالما دعمت الاكتشافات في مونتي فيردي فكرة أن البشر وصلوا إلى أمريكا الجنوبية قبل نحو 14500 عام، وهو ما شكّل ضربة قوية لنظرية "كلوفيس أولًا"، التي تفترض أن أولى الهجرات البشرية عبرت من آسيا إلى أمريكا الشمالية عبر جسر بيرينغ قبل نحو 13000 عام، ثم انتشرت جنوبا لاحقا.
لكن الدراسة الجديدة، التي قادها فريق من الباحثين في جامعة وايومنغ، تشير إلى أن القطع الأثرية في مونتي فيردي قد تعود في الواقع إلى فترة تتراوح بين 4200 و8200 عام فقط. وإذا ثبتت هذه النتائج، فإنها تعيد الاعتبار لفكرة وصول البشر لاحقا، وتمنح حضارة كلوفيس وقتا كافيا للانتشار جنوبا.
ويعتمد هذا الطرح الجديد على إعادة تحليل العينات، مع الأخذ في الاعتبار عوامل لم تُدرس سابقا، مثل تأثير التعرية واختلاط التربة بمواد أقدم. ويرجّح الباحثون أن بقايا خشبية قديمة من العصر الجليدي اختلطت بطبقات أحدث، ما أدى إلى تضليل نتائج التأريخ بالكربون المشع وإعطاء عمر أقدم من الحقيقة.
كما لعبت طبقات الرماد البركاني دورا مهما في هذا التقييم، إذ عُثر عليها أسفل القطع الأثرية، ما يشير إلى أن هذه الأخيرة أحدث من الحدث البركاني الذي وقع قبل نحو 11 ألف عام. ورغم أن هذه الأدلة لا تقدم تاريخًا دقيقًا، فإنها تعزز فرضية أن الموقع أصغر سنًا مما كان يُعتقد.
أثارت هذه النتائج جدلا واسعا في الأوساط العلمية، حيث يرى بعض الباحثين أن إعادة التأريخ ضرورية لتصحيح الأخطاء المحتملة، بينما يحذر آخرون من تجاهل الأدلة السابقة التي دعمت التقديرات الأقدم. كما يطرح هذا الجدل تساؤلات أوسع حول دقة تأريخ مواقع أثرية أخرى استخدمت أساليب مشابهة.
ورغم أهمية مونتي فيردي التاريخية، يشير بعض العلماء إلى أن اكتشاف مواقع أخرى أقدم في الأمريكتين قد يقلل من تأثير هذا التعديل، ويؤكد أن قصة استيطان القارتين أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد.
في النهاية، تعكس هذه الدراسة طبيعة العلم المتغيرة، حيث لا تُعد أي نظرية نهائية، بل تبقى مفتوحة للمراجعة والتصحيح. ومع استمرار الاكتشافات، يبدو أن قصة وصول البشر إلى الأمريكتين لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد.
