في اكتشاف علمي لافت، كشف باحثون عن وجود معدن قادم من الفضاء ضمن كنز أثري عمره نحو 3000 عام عُثر عليه في جنوب شرق إسبانيا، ما يضيف بعدا جديدا لفهم تطور تقنيات صناعة المعادن في أوروبا خلال العصر البرونزي.
الكنز المعروف باسم كنز فيلينا، والمحفوظ في متحف الآثار "خوسيه ماريا سولير" بمدينة فيلينا في مقاطعة أليكانتي، يضم 66 قطعة أثرية تعود إلى الفترة ما بين 1400 و1200 قبل الميلاد، وتشمل المجموعة 21 قطعة من الذهب، و27 قطعة من الفضة، و18 خرزة من الكهرمان، بالإضافة إلى قطعتين حديديتين صغيرتين ظلّتا لعقود موضع تساؤل بين الباحثين، وفقا لـ "ديلي جالكسي".
وتم اكتشاف الكنز عام 1963 أثناء أعمال حفر نفذها مهندس مدني بالقرب من المدينة، ليصبح لاحقا أحد أهم الاكتشافات المعدنية من عصور ما قبل التاريخ في منطقة غرب البحر المتوسط، وتعرض القطع اليوم في المتحف ضمن ترتيب زمني يوضح تطور استخدام المعادن في تلك الحقبة.
غير أن التحليل العلمي الحديث كشف عن مفاجأة غير متوقعة، حيث أظهرت دراسات أجراها فريق بقيادة الباحث الإسباني سالفادور روفيرا-لورينس من المجلس الأعلى للبحوث العلمية (CSIC)، أن قطعتين من الكنز، وهما سوار صغير ونصف كرة مجوفة، مصنوعتان من حديد نيزكي، وهو معدن مصدره نيازك سقطت على الأرض.
واستخدم الفريق تقنيات متقدمة مثل مطيافية الكتلة لتحليل التركيب الكيميائي، حيث تبين أن القطع تحتوي على نسبة عالية من النيكل، وهي سمة مميزة للحديد القادم من الفضاء، على عكس الحديد الأرضي المستخدم لاحقا في العصر الحديدي.
ووفقا للباحثين، فإن هذه النتائج تجعل القطعتين أول دليل معروف على استخدام الحديد النيزكي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وهو ما يشير إلى أن سكان العصر البرونزي كانوا قادرين على الحصول على مواد نادرة للغاية، سواء عبر التجارة أو من مصادر محلية محدودة.
ويؤكد الفريق في دراسته المنشورة أن هذا الاكتشاف "يتماشى مع التسلسل الزمني للعصر البرونزي المتأخر، قبل انتشار إنتاج الحديد الأرضي بشكل واسع"، ما يعكس مرحلة مبكرة من الابتكار في التعامل مع المعادن.
كما يُظهر التحليل أن القطعتين تم تصنيعهما بعناية عالية، حيث يعكس السوار آثار طرق وتشكيل دقيق، بينما يتميز نصف الكرة بسطح أملس لامع يشبه المرآة، ما يدل على مهارة حرفية متقدمة لدى صانعي المعادن في تلك الفترة.
ويرى الباحثون أن الحديد النيزكي كان على الأرجح مادة نادرة وذات قيمة رمزية عالية، وربما استُخدم في صناعة قطع مخصصة للنخبة أو لأغراض طقسية، نظرا لندرته وخصائصه الفريدة.
ويضع هذا الاكتشاف كنز فيلينا في سياق عالمي أوسع، حيث سبق أن عُثر على قطع مشابهة مصنوعة من الحديد النيزكي في حضارات أخرى، مثل الخنجر الموجود في مقبرة الفرعون المصري توت عنخ آمون، ما يشير إلى أن بعض المجتمعات القديمة تعاملت مع مواد قادمة من الفضاء بوصفها مواد ثمينة للغاية.
ويؤكد خبراء الآثار أن هذا الكشف لا يضيف فقط بعدا علميا جديدا لفهم تطور صناعة المعادن، بل يعيد أيضا تقييم مستوى المعرفة والتبادل الثقافي في مجتمعات العصر البرونزي، والتي كانت أكثر تعقيدا وتطورا مما كان يُعتقد سابقا.
ويُعرض كنز فيلينا اليوم في متحف "خوسيه ماريا سولير" بمدينة فيلينا، حيث يواصل جذب اهتمام الباحثين والزوار، باعتباره شاهدا فريدا على تفاعل الإنسان القديم مع مواد نادرة، بعضها، كما اتضح، جاء من خارج كوكب الأرض.
