أحدثت رحلة الغواصة Glomar Challenger إلى قاع البحر الأبيض المتوسط عام 1970 نقلة نوعية في فهم العلماء لتاريخ هذا البحر، حيث كشفت نتائج الحفر عن دلائل تشير إلى أن البحر الأبيض المتوسط تحول قبل نحو 6 ملايين سنة إلى صحراء شاسعة مملوءة بالملح، قبل أن يُعاد ملؤه تدريجيا بالمياه، لكن دون الفيضان الكارثي الذي افترضه الباحثون سابقا.
في 6 أكتوبر 1970، عادت الغواصة Glomar Challenger إلى لشبونة بعد رحلة بحرية استمرت 54 يوما، حاملة 28 قلبا صخريا من قاع البحر.
كانت النتائج مذهلة، فقاع البحر كشف عن رواسب ضخمة من الجبس والهاليت (ملح الطعام)، بالإضافة إلى حصى وأحافير بحرية، ما يشير إلى أن البحر كان قد جف جزئيا وترك وراءه صحراء مالحة بعمق يزيد على كيلومترين، نصف مليون سنة بعد ذلك، يعتقد أن المحيط الأطلسي اخترق ما يُعرف اليوم بمضيق جبل طارق، مُحدثا فيضانًا ضخما يُسمى "فيضان زانكلان"، وفقا لموقع livescience.
لكن الدراسات الحديثة قلبت هذه الصورة التقليدية، ويقول غييرمو بوث ريا من جامعة غرناطة: "فكرة الفيضان الهائل والبيانات التي تدعمه غالبا ما تكون خاطئة".
البحث الجديد يشير إلى أن البحر الأبيض المتوسط لم ينقطع تماما عن المحيط الأطلسي، وأن مستويات المياه تغيرت تدريجيا على مدى آلاف السنين، وليس بسبب فيضان كارثي مفاجئ.
الجيولوجيون وجدوا أن رواسب الجبس والهاليت لم تُشكّل بالضرورة عبر التبخر الكامل للبحر، بل ربما تكوّنت بفعل مياه مالحة مركزة، بينما توضح الحفر أن الأنهار الكبرى مثل النيل والرخون كانت تصب في البحر عندما كان مستوى سطحه أقل بكثير من المستوى الحالي، هذا يعني أن انخفاض مستوى البحر كان تدريجيا، وليس نتيجة فيضان ضخم كما كان يُعتقد.
وتشير الأدلة الحديثة إلى أن مرحلة إعادة الملء الأخيرة للبحر حدثت عبر مياه عذبة جاءت من البحيرات القديمة في الشرق، مثل البحر الأسود والبحر الكاسبي، حيث فتحت الأنهار مثل الدانوب والفولغا والدون مجرى جديدا للبحر الأبيض المتوسط، ما ساعد على استعادة مستوياته تدريجيا خلال مرحلة يُطلق عليها العلماء "مرحلة Lago-Mare".
حتى آخر بعثة حفر عميق، JOIDES Resolution في 2023، لم تجد أي أثر للفيضان الهائل في منطقة بحر ألبوران شرق مضيق جبل طارق، مما يدعم النظرية الحديثة القائلة إن الاتصال بين الأطلسي والمتوسط لم يكن عبر جبل طارق كما كان يُعتقد، كما تشير النتائج إلى أن التغيرات الصغيرة، مثل انخفاض طفيف في عمق المضيق، كانت كافية لإحداث تغييرات بيئية هائلة، بما في ذلك انقراض 89٪ من الأنواع البحرية الخاصة بالمتوسط.
الدرس الأبرز من هذه الدراسات هو قوة التغيرات البطيئة والدقيقة في تشكيل التاريخ الطبيعي للبحار والمناخ، وهو عكس الفكرة التقليدية التي كانت تربط التحولات الكبرى بحدوث أحداث كارثية مفاجئة، كما يقول الباحث فينتشيو مانزي من جامعة بارما: "يمكن الوصول إلى ظروف قصوى دون أحداث قصوى، وهذا أكثر رعبا في بعض النواحي لأنه يوضح هشاشة التوازن البيئي".
هذا الاكتشاف يعيد تشكيل فهمنا لأزمة ملوحة الميسينيان، ويبرز أهمية المراقبة الدقيقة للتغيرات البيئية الصغيرة في دراسة تاريخ الأرض، بعيدا عن التفسيرات الدراماتيكية للفيضانات الكارثية.
