مع ازدياد ساعات اللعب الأسبوعية بين المراهقين والشبان بشكل لافت خلال السنوات الماضية، باتت ألعاب الفيديو أكثر من مجرد وسيلة للترفيه، فهي تحمل مخاطر خفية، مثل ضعف التركيز، قلة النشاط البدني، واضطرابات النوم، وفي الوقت نفسه توفر فوائد غير مرئية، تشمل تطوير المهارات المعرفية، تعزيز التفاعل الاجتماعي، والشعور بالانتماء. هذا التوازن المعقد يجعل ألعاب الفيديو عاملًا رئيسيًا في تشكيل جيل الفتيان وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، حيث تتداخل المتعة الرقمية مع تحديات النمو والتعلم، ما يطرح أسئلة حول ما إذا كان ممكناً الاستفادة من هذه الظاهرة دون أن تتحول إلى عبء على حياتهم اليومية.
فعلى امتداد الخمسة عشر عاماً الماضية، شهدت حياة الفتيان والشبان تحوّلاً لافتاً في كيفية قضاء أوقات فراغهم، فقد تضاعف متوسط الساعات الأسبوعية التي يمضونها في ألعاب الفيديو أكثر من مرة، ليصل إلى نحو عشر ساعات أسبوعياً، وفق بيانات «المسح الأميركي لاستخدام الوقت»، وهو مسح اتحادي سنوي يرصد بالتفصيل كيف يقضي الأميركيون دقائق يومهم. وتشير النتائج إلى أن الزيادة في وقت اللعب كانت الأكبر بين مختلف الأنشطة التي جرى قياسها، متجاوزة أنشطة مثل الرياضة أو الجلوس مع العائلة أو الأصدقاء.
هذا التحوّل لم يمرّ من دون جدل، فبعض المعلّمين يؤكدون أن الإفراط في اللعب أثّر في تركيز الطلاب داخل الصفوف الدراسية، بينما يربط بعض الاقتصاديين بين انتشار الألعاب وتراجع ساعات العمل لدى الشبان. كما عبّر كثير من الأهالي عن قلقهم من أن تكون ألعاب الفيديو عاملاً أساسياً في الصعوبات التي يواجهها بعض الفتيان اليوم، سواء على المستوى الأكاديمي أو الاجتماعي.
تحوّل تقني غيّر قواعد اللعبة
لم يكن ازدياد الوقت الذي يُقضى في اللعب مجرد صدفة، فقد تزامن مع تطورات تقنية جعلت الألعاب أكثر جذباً. انتقل اللعب من جهاز ثابت في المنزل إلى الهاتف الذكي الذي يرافق المستخدم في كل مكان. وأصبحت التجربة أكثر تفاعلية، وأقرب إلى عوالم مفتوحة لا تنتهي، تُحدَّث باستمرار وتكافئ اللاعبين على العودة اليومية.
يشير باحثون في جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل، من بينهم الأستاذة آني ماهيو، إلى أن كثيراً من الدراسات أغفلت الجانب الاجتماعي الدقيق للألعاب، خصوصاً لدى الفتيان. فبالنسبة إلى عدد كبير منهم، لا تقتصر اللعبة على منافسة رقمية، بل هي مساحة لبناء صداقات وتعزيزها. وغالباً ما يفضّل الفتيان قضاء الوقت مع أصدقائهم عبر نشاط مشترك، مثل اللعب، بدلاً من محادثات وجهاً لوجه مطوّلة.
ووفقاً لمسح وطني نشره «مختبر العافية الرقمية» في مستشفى بوسطن للأطفال، فإن معظم المراهقين يلعبون مع آخرين عبر الإنترنت، حتى لو لم يكونوا في المكان نفسه. كما أن الفتيان أكثر ميلاً من الفتيات للعب الجماعي والتواصل الصوتي أثناء اللعب عبر تطبيقات مثل «فيس تايم» و«ديسكورد». وفي بعض الدوائر الاجتماعية، قد يُنظر إلى الامتناع عن اللعب كنوع من الانعزال، ما يخلق ضغطاً اجتماعياً غير مباشر يدفع إلى المشاركة، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز".
أرقام تكشف الفجوة بين الجنسين
تكاد ألعاب الفيديو تكون نشاطاً عاماً بين المراهقين الذكور. فبحسب مسح أجراه «مركز بيو للأبحاث»، يلعب نحو 97 في المئة من المراهقين ألعاباً عبر الإنترنت، مقابل 73 في المئة من الفتيات. غير أن الفارق لا يكمن في الانتشار فقط، بل في عدد الساعات أيضاً. ففي عام 2024، أمضى الفتيان والشبان بين 15 و24 عاماً نحو عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، مقارنة بساعتين فقط للفتيات.
ويرى بعض الباحثين أن هذا التفاوت يرتبط باختلافات في الدوافع. فالألعاب تمنح إحساساً بالكفاءة عبر تطوير المهارات، وبالاستقلالية عبر إنشاء شخصيات افتراضية واستكشاف عوالم جديدة، وبالانتماء عبر التفاعل مع الأقران. وهذه احتياجات أساسية لدى جميع المراهقين، غير أن الفتيان قد يجدون في البيئة الرقمية مساحة أسهل لإشباعها، خاصة في ظل شعور بعضهم بالتهميش أو الضياع في العالم الواقعي.
يؤكد باحثون في «مختبر التكنولوجيا والمجتمع» بجامعة نيويورك أن التحوّل الأكبر حدث خلال العقد الماضي، حين أصبحت كثير من الألعاب مجانية عند البدء، وتعتمد على عمليات شراء صغيرة داخل اللعبة. هذا النموذج غيّر هدف الشركات من بيع منتج لمرة واحدة إلى تعظيم الوقت الذي يقضيه اللاعب داخل المنصة.
أثر الجائحة
خلال جائحة «كوفيد-19»، ارتفع الوقت الذي يقضيه الشباب في اللعب بشكل ملحوظ. فقد بلغ متوسط ساعات اللعب الأسبوعية لدى الذكور بين 15 و24 عاماً نحو 13 ساعة في عام 2022، مقارنة بـ7.5 ساعات في 2019. وقد اعتبر كثيرون الألعاب وسيلة مرحّباً بها للتواصل في ظل الإغلاق، وتشير بعض الأدلة إلى أنها ساعدت في تخفيف مشاعر التوتر والعزلة.
لكن بعد انحسار الجائحة، لم يعد الوقت إلى مستويات ما قبلها بالكامل. فقد ترسّخت العادة، وأصبحت جزءاً ثابتاً من الروتين اليومي لكثير من الفتيان.
ومن بين أبرز الألعاب التي يمارسها الشباب، وفق قياسات شركة «مورنينغ كونسلت» للاستطلاعات، ألعاب متعددة المنصات ومتعددة اللاعبين وتضم نسخاً مجانية، مثل «روبلوكس» و«فورتنايت» و«كول أوف ديوتي».
وقال راوش: «يعاني ملايين الفتيان لأنهم يحملون في جيوبهم وصولاً دائماً إلى منتجات صُمّمت لتكون إدمانية بطبيعتها». وأضاف: «أنا قلق بشأن الفتيان، لكن تركيزي وقلقي موجّهان أساساً إلى نماذج الأعمال الاستغلالية التي تجني أرباحاً من هشاشتهم».
وتُظهر الأبحاث أن الذكور أكثر عرضة لإدمان ألعاب الفيديو من الإناث، اللواتي يُرجّح أن يُدمنّ وسائل التواصل الاجتماعي. ومن الأسباب أن الذكور يميلون إلى التنافس والمخاطرة، وفق الدكتور مارك بوتينزا، الذي يدرس الإدمان في كلية الطب بجامعة ييل. وتُظهر فحوص الدماغ أنه عند لعب الذكور ألعاب الفيديو، يكون تنشيط منطقة معالجة المكافأة أقوى لديهم مقارنة بالإناث.
وقالت إيمي غيفورد، وهي أم لابن وابنة مراهقين في سالم بولاية ماساتشوستس، إن ابنتها تلتقي بأصدقائها غالباً حضورياً، بينما يلتقي أصدقاء ابنها في الغالب عبر الإنترنت، لأن ذلك أسهل ويتطلّب تخطيطاً أقل.
وأضافت: «إنها أكثر إدماناً للفتيان ومن الصعب عليهم الابتعاد عنها». وتابعت: «لقد أرسلنا ابننا حرفياً يطرق الأبواب ليدعو أطفالاً آخرين للعب أو ركوب الدراجات، فيقولون لا لأنهم يلعبون».
بين المنفعة والمخاطر
لا يدعو معظم الباحثين إلى حظر ألعاب الفيديو، بل يرون أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من ثقافة الشباب. فهي قد تسهم في تنمية مهارات حلّ المشكلات، وتحسين المزاج، وتعزيز الثقة بالنفس، فضلاً عن كونها مساحة للتفاعل الاجتماعي.
غير أن المخاوف لا تزال قائمة. فالإفراط في اللعب قد يأتي على حساب النوم، والنشاط البدني، والدراسة، والعمل. كما أن بعض الألعاب تتضمن محتوى قد يعرّض اللاعبين للمقامرة الافتراضية أو التحرش أو العنف أو حتى الخطابات المتطرفة.
لذلك يوصي الخبراء بأن يشارك الآباء أبناءهم الاهتمام بالألعاب، وأن يراقبوا الوقت الذي يُقضى فيها، ويتحدثوا معهم بصراحة عن المخاطر المحتملة. كما يشيرون إلى أهمية الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية وأنظمة التصنيف العمري المتاحة.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن المسؤولية لا ينبغي أن تقع على عاتق الأسر وحدها، بل على شركات التكنولوجيا أيضاً، من خلال تقليل الخصائص المصممة لتعزيز الإدمان، ووضع معايير أمان أقوى للأطفال والمراهقين.
وقال بينيت سيبل، مساعد باحث في «مختبر التكنولوجيا والمجتمع»: «توجيهات الآباء لا تملك فرصة أمام منتجات صُمّمت لإبقاء الأطفال مدمنين». وأضاف: «على المنصّات أن تتحمّل المسؤولية».
