الحرب الخفية بين أذكى الكائنات.. سباق تسلح في أعماق البحار

في أعماق المحيطات المظلمة، تدور معركة طبيعية مذهلة منذ ملايين السنين بين الحيتان ذات الأسنان والحبار العملاق، معركة تشهد سباقاً تسلحياً تطورياً دفع اثنين من أذكى الكائنات البحرية إلى حدود غير مسبوقة من القدرة والتكيف.

تعد الحيتان، مثل حيتان العنبر والحيتان المنقارية، من الصيادين الماهرين للرأسيات البحرية في أعماق البحار، وتكشف أجسامها الضخمة عن أدلة صريحة لهذه المعارك، مثل آثار مصاصات وجروح متعددة، بالإضافة إلى تراكم جماعي لأقماع الحبار في معدتها، وفقا لـ iflscience.

ويعتقد العلماء أن هذه المنافسة، رغم شدتها، هي تطور حديث نسبيا مقارنة بتاريخ الرأسيات البحرية البالغ 530 مليون سنة، إذ كانت في السابق تتجنب المفترسين البصريين مثل الأسماك باستخدام تقنيات تمويه تعتمد على تغيير اللون.

والرأسيات البحرية هي كائنات بحرية تنتمي إلى طائفة الرأسيات (Cephalopoda)، وتشمل الكائنات المعروفة مثل الحبار، والأخطبوط، والحبار العملاق، والحبار ذا الأسنان.

لكن منذ نحو 34 مليون سنة، ظهر الحوت المفترس ذو الأسنان الذي غيّر قواعد اللعبة، إذ طورت هذه الحيتان القدرة على تحديد الموقع بالصدى، وهي تقنية تشبه الرادار الصوتي، تتيح لها الصيد في الظلام الدامس للأعماق، وقد ساعدت هذه القدرة المتطورة الحيتان على مسح مساحات واسعة من الماء والكشف عن فريستها من مئات الأمتار.

ردت الرأسيات البحرية على هذه التحديات عبر سلسلة من التكيفات الفريدة، بعض الأنواع طورت أجساما نحيلة وطويلة لتقليل اكتشافها صوتيا، بينما انتقلت أخرى إلى حياة منعزلة بعيدة عن التجمعات، ما جعلها أقل عرضة للكشف الصوتي الجماعي، كما نزح الحبار نحو مسافات أعمق، مستغلاً حاجة الحيتان للعودة إلى السطح لتجديد الهواء المؤكسج.

كما ساهم افتراس الحيتان في تطوير استراتيجية "العيش السريع والموت المبكر" لدى الرأسيات البحرية، حيث تنمو بسرعة، لا تختار أزواجها بعناية، وتموت في سن صغيرة، كآلية لضمان استمرار الجينات في بيئة محفوفة بالخطر.

وبالمقابل، تكيفت الحيتان مرة أخرى لتواكب تحركات فريستها، إذ تنتشر الحيتان العميقة الغوص أثناء الصيد لتغطي مناطق واسعة بشكل فردي مع تبادل المعلومات بشكل فضفاض، ما يعزز فرصها في صيد الفرائس بكفاءة دون الحاجة لتشكيل أسراب.

ويرى العلماء أن الحجم الضخم للحيتان قد يكون جزءا من هذا السباق التسلحى، إذ يسمح حجم الجسم الأكبر بتخزين كميات أكبر من الأكسجين ومقاومة تغيرات درجات الحرارة، مما يمكنها من الغوص لعمق أكبر ولمدة أطول.

تستمر هذه المعركة المذهلة بين الحيتان والحبار حتى يومنا هذا، آلاف الأقدام تحت سطح البحر، ومع بطء وتيرة التطور مقارنة بعمر الإنسان، يبقى السؤال، هل يستمر الصراع المدهش في أعماق المحيط؟