آلة موسيقية في رأسها.. علماء يفكون لغز السمكة المعجزة بعد حيرة 100 عام

كشفت دراسة علمية حديثة عن وظيفة غير متوقعة لتجويف غريب يقع في منتصف رأس سمكة تُعرف باسم "روكهد بوتشر"، تعيش في المناطق الضحلة بين المد والجزر في شمال شرق المحيط الهادئ، ووفقا للبحث، فإن هذا التجويف لا يُستخدم للتمويه كما كان يُعتقد سابقا، بل يعمل كأداة طبيعية لإنتاج الصوت، أشبه بآلة موسيقية إيقاعية.

وتُعد سمكة "روكهد بوتشر"، المنتمية إلى فصيلة "أغونيداي"، من الكائنات البحرية الصغيرة ذات الجسم المدرع، إذ لا يتجاوز حجمها حجم إصبع الإنسان، وعلى الرغم من صغر حجمها، فإنها تُصدر أصواتا لافتة مقارنة بغيرها من الأسماك، وهو ما حيّر العلماء لأكثر من 100 عام، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.

وتعود جذور هذا الاكتشاف إلى ملاحظة عابرة قبل نحو عشر سنوات، حين أشار دانيال غيلدوف، وكان آنذاك طالبا جامعيا، إلى احتمال استخدام السمكة للتجويف الموجود في رأسها لإنتاج الصوت، هذه الفكرة تحولت لاحقا إلى مشروع بحثي متكامل، تُوّج برسالة ماجستير قدّمها غيلدوف في جامعة ولاية لويزيانا.

وباستخدام تقنيات التصوير المقطعي الدقيق (micro-CT)، تمكن الباحث من دراسة التركيب التشريحي للسمكة بتفصيل غير مسبوق.

وأظهرت النتائج أن الأضلاع الأمامية للسمكة متصلة بعضلات قوية عبر أوتار، ومسطحة بمحاذاة التجويف الموجود في الرأس، وعند تحريك هذه الأضلاع، تصطدم بجدران التجويف، ما ينتج صوتا يشبه الطنين، على غرار ما تصدره آلة الماراكا أو الطبول الإيقاعية.

ويقول باحثون مشاركون في تقييم الدراسة إن هذا الاكتشاف يضيف مثالا جديدا إلى الطرق المتنوعة التي تستخدمها الأسماك للتواصل الصوتي، فبعض الأنواع، مثل أسماك الضفدع، تعتمد على اهتزاز المثانة الهوائية لإصدار نداءات التزاوج، بينما تستخدم أنواع أخرى احتكاك العظام لإنتاج أصوات تحذيرية أو تواصلية.

وتكتسب هذه القدرة الصوتية أهمية خاصة في البيئة التي تعيش فيها سمكة "روكهد بوتشر"، فالمناطق الواقعة بين المد والجزر تُعد شديدة الضوضاء، بسبب الأمواج المتكسرة، والصخور المتحركة، وأصوات القشريات، وفي مثل هذه الظروف، يصبح انتقال الصوت تحديا حقيقيا.

ويرجح العلماء أن الصوت الطنيني الذي تنتجه السمكة ينتقل عبر اهتزاز قاع البرك الصخرية، ما يساعد على وصوله لمسافات أطول.

ويرى مختصون أن هذا النظام الفريد لإنتاج الصوت يمثل حلا تطوريا ذكيا لسمكة صغيرة تعيش في بيئة صاخبة، كما يعيد الاكتشاف طرح تساؤلات أوسع حول مدى تنوع الأساليب التي طورتها الكائنات البحرية للتواصل والتكيف.

ويأمل الباحثون أن تفتح هذه النتائج الباب أمام دراسات مستقبلية لفهم سلوكيات صوتية أخرى غير معروفة في عالم الأسماك، مؤكدين أن "روكهد بوتشر" قد لا تكون الحالة الوحيدة التي تخفي أسرارا غير متوقعة داخل تشريحها الصغير.