جـذور

دليل الخليج.. القسم التاريخي (2)

لقد نشرنا سابقاً حلقة حول الجزء الأول من القسم التاريخي لدليل الخليج لجون لوريمر. وفي هذه الحلقة سوف نقدّم للقارئ ملاحظاتنا حول الجزء الثاني الذي يتضمّن بِمَجْموعِه تناولاً مسهباً حول تاريخ سلطنة عمان بدأه بحكم النّباهنة بين عامَي 1566 و1624م.

وأشار في الهامش إلى أنّه يعتمد في هذا التاريخ على كتاب كشف الغمّة. وهو هنا دمج بين أواخر الدولة النّبهانيّة، وبدايات ظهور اليعاربة، مع تضمينه للوجود البرتغالي في إقليم عمان، وأشار في هذا الحديث إلى علاقات عمان مع البرتغاليين والفرس إلى عامَي 1623 و1624م.

قدّم الكتاب معلومات جيّدة نوعاً ما حول أوضاع البرتغاليين في عمان بين عامَي 1625 و1650. وضمّن ذلك إشارات حول علاقات اليعاربة مع فارس وإنجلترا والبرتغال. ومن إشاراته اللطيفة قوله إنّ حكم اليعاربة اتسم في أغلب فتراته باستباب الأمن والسّلام والثروة والعِلم وظهر فيه الازدهار. وألمح إلى ما تمتّع به الأسطول اليعربي من قوّة ومنعة وعدد وعُدّة في عهد الإمام سلطان بن سيف الثاني.

حركة التحرير

ولكنّه أوجز كثيراً في تأسيس الدولة اليعربيّة، وبيعة الإمام ناصر بن مرشد ودوره الكبير في التوحيد والتحرير. وانتقل فجأة إلى تحرير مسقط، وإجلاء البرتغاليين من عمان. وركّز على علاقات اليعاربة مع البرتغاليين والفرس والإنجليز. ثمّ ينتقل للحديث عن أواخر عهد الدولة اليعربيّة، وما حدث أثناءها من إشكالات قبليّة انتهتْ ببيعة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، وحكمه، وعلاقاته بالمحيط الخليجي والعربي والإسلامي والأجنبي. ويشير إلى الأحوال الاقتصاديّة والإداريّة في عهده. ثم عهد خلفه سعيد بن أحمد.

انتقال

وهكذا يتتبّع بإيجاز انتقال الحكم بين أبناء وأحفاد الإمام أحمد بن سعيد. وما جرى في عهودهم من أحداث داخليّة، وعلاقات مع المحيط الخليجي والحملات العسكريّة ضمن منطقة الخليج. ويركّز على علاقات البوسعيديين مع فرنسا وغيرها من القوى الأوروبيّة. وأحياناً يركّز على أوضاع معينّة اقتصاديّة وعسكريّة يفردها عنواناً ومضموناً. ويتحدّث عن عدد المشاكل الداخلية والفتن التي تخلّلتْ عهود بعض الحكّام إضافة إلى علاقاتهم الخارجيّة مع القوى المحلّيّة. ويفرد حديثاً حول عهد السيد سعيد بن سلطان، وعلاقاته وحملاته العسكريّة، ويركز على علاقته ببريطانيا وفرنسا. وسلطانه في زنجبار. وما تلا ذلك من أحداث في عهد ولديه. ويشير إلى تأسيس المقيميّة البريطانية في مسقط عام 1861.

علاقات وتفاصيل

وهو في عرضه للأحداث في الدولة البوسعيديّة يذكر اسم الحاكم، وأهمّ أعماله، وعلاقاته بالقوى المحلّيّة مع فارس أو نجد أو الهند أو إمارات الساحل أو زنجبار ثم علاقته ببريطانيا العظمى. إضافة إلى تفاصيل عهد الحاكم من علاقاته مع أهله وأفراد أسرته، ووضعه في الداخل، وإدارته، وتنظيمه، وولاياته. وأحياناً يشير إلى المشاكل الداخلية. وهكذا هو أسلوبه في تأريخه للأسرة البوسعيديّة. ولا يفوته كما ذكرت الخلافات الداخلية التي قد تؤدّي إلى مصادمات، وانتقال السلطة من حاكم إلى آخر. مع إشارات إلى شخصيّة الحاكم، وطباعه، وسماته، وتأثير ذلك على سياسته. ومما يثير فضوله كذلك علاقات عمان مع فرنسا، والحماية البريطانية للرعايا البريطانيين في عمان. ويختم تأريخه للأسرة البوسعيديّة بملحق عن إقليم ظفار، وتاريخه، ثم ضمّ ظفار تحت حكم البوسعيديين بدءاً من عام 1828 وما جرى بعد ذلك من انفصال ثمّ إعادة ضمّ ظفار. وهو هنا يستنفد عدداً كبيراً من الصفحات. ثم يلحق ذلك بتاريخ جوادر في إقليم مكران.

إسهاب

وألحق ذلك بتاريخ شبه جزيرة مسندم أو رؤوس الجبال حسب تعريفه، بدءاً بعام 1836، وفي هذا الموضوع أسهب في حديثه حول بلدات مسندم وقراها وقبائلها. وقسّم تاريخها إلى ثلاثة أقسام: الفترة المبكرة: 1836 ـ 1864، والفترة الوسيطة: 1864 ـ 1868، والفترة الحديثة أو المعاصرة: 1869 ـ 1907.

وهو في كلّ هذه الموضوعات قليلاً ما يحيل إلى المراجع.

الفصل الثالث

وفي الفصل الثالث من هذا الجزء تطرّق لتاريخ الإمارات في 156 صفحة. وألمح إلى أنّه اعتمد كثيراً على تقارير حكومة الهند، وبعض كتب الرحّالة. وهو منذ بداية هذا الفصل يصرّح بأنّه يتحدّث عن التهمة الجائرة التي ابتدعتْها السلطات البريطانيّة لِتَنعتَ بها أهالي الساحل، والمتمثلة في الهجوم على السفن. وبدأ حديثه بتاريخ 1600.

تتبع

وأشار إلى الوجود البرتغالي على السّاحل. وهكذا بدأ يتتبّع تاريخ الساحل، وظهور القواسم، وغاراتهم على السفن البريطانيّة التي كانت تنافس أهل الخليج في أرزاقهم وأحوالهم. ثم يعرج للحديث عن الحملات البريطانية العسكرية على رأس الخيمة وبقيّة الإمارات، بين عامَي 1805 و1819.. وهو يفصّل في مسير الحملات وبالذّات الحملة الثالثة، وجنودها، وعتادها، وسفنها، ومدافعها. وما أحدثتْه من دمار في المدن والعمائر، وقتْل في الأهالي. وهو هنا يسهب في الإحالات والهوامش، نظراً لتوفر المادة العملية ومراجعها لديه. ويجعل معاهدة 1820 هي معاهدة السّلْم الخاتمة للحروب، ويجعلها فاتحة عهد جديد في المنطقة حتى معاهدة 1835. وهنا يركز على علاقات بريطانيا بمنطقة الساحل، وعلاقات القوى المحلية فيه مع الدولة البوسعيدية، والدولة السعودية في نجد. وبعدها يتحدث عن الأوضاع الداخلية في إمارات الساحل، والعلاقات فيما بينها، وما ترتب على ذلك من خلافات وإشكالات حتى يصل إلى عام 1907.

تواريخ الإمارات

ثم أتبع ذلك بذِكر تواريخ بعض الإمارات، بدأه بإمارة الشارقة، ثم إمارة أبوظبي، ثم إمارة دبي، ثم إمارة أم القيوين، ثم إمارة عجمان. وفي كل منها يتحدث عن حكامها إلى أيامه هو، وأهم الأحداث الجارية في عهودهم. وبعدها في ملحق مباشر يتحدّث عن ساحل الشميلية. ثمّ معاهدة عام 1879. وفي الفصل الرابع وما يليه يتحدث عن إمارات الخليج الأخرى حتى يصل إلى البحرين. وبطبيعة الحال فهو يبتدئ بأقدم تاريخ هو عام 1600.

ثم يفصّل في وضع كل إمارة، وتاريخ الأسرة الحاكمة فيها، وكيف آلتْ لها السلطة في تلك الإمارة، ومَن توارث الحكم فيها إلى أيامه. وفي هذا الميدان نجده يسهب في الحديث عن طبيعة العلاقات بين إمارات الخليج من سِلْم وحروب، ومن هدوء واضطراب، ومن تبادل للمنافع إلى أصوات السلاح والمدافع. وهو بالتالي يتكئ على ما توفر لديه من تقارير استخباراتية، وكشوفات، وقوائم، وتبادلات اقتصادية، وأسفار..

تحليل وتعاون

لكن أغلب إشارات لوريمر تفتقر للتحليل، إذ يقتصر دوره على النّقل وما يعتقد بأنه إثبات للمعلومات فقط مع التركيز أحياناً على مدى عمق العلاقات بين قبائل الخليج مع بعضهم البعض، وهل ينتج من هذه العلاقات تعاون مشترك قد يهدّد النّفوذ البريطاني في الإقليم، فلهذا نراه يشير إلى علاقة العتوب بالقواسم. وفيما يبدو لي فإن هذا التعاون كان يقلق السلطات البريطانية، ولهذا حرصتْ على تقييده ومراقبته حتى لا يؤثّر على مصالحها في الخليج. ولهذا نجده من جانب آخر يلمح لأي حركة في إمارات الخليج ومدى تأثيرها على النّفوذ البريطاني. وفي الوقت نفسه يستخدم مسمّى «القرصنة» على بقية سكان الخليج. وكأنّ هذا المصطلح سيف مسلط على رقاب المطالبين بحقوقهم، أو المهددين للسلطة الأجنبيّة المحتلة في الخليج.

هدوء الخليج

حرصت الحكومة البريطانية على أن يعم الهدوء مياه الخليج دون التدخل المباشِر في الأوضاع الداخلية. وهي بالتالي لم تهتم بما جرى من مشاكل في الداخل، حتى ولو تكّلف النّاس حيواتهم فيها. كما كان لوريمر حريصاً على تبيان طبيعة علاقات بعض إمارات الخليج بالدولة العثمانية. وفي الوقت نفسه يلمح إلى علاقاتها بفارس كذلك. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظهر نوع من الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، ما نبّه البريطانيين والألمان.

 

هدوء الخليج

حرصت الحكومة البريطانية على أن يعم الهدوء مياه الخليج دون التدخل المباشِر في الأوضاع الداخلية. وهي بالتالي لم تهتم بما جرى من مشاكل في الداخل، حتى ولو تكّلف النّاس حيواتهم فيها. كما كان لوريمر حريصاً على تبيان طبيعة علاقات بعض إمارات الخليج بالدولة العثمانية. وفي الوقت نفسه يلمح إلى علاقاتها بفارس كذلك. وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ظهر نوع من الاهتمام الأمريكي بالمنطقة، ما نبّه البريطانيين والألمان.

صفحة متخصصة بالتراث والبحث في مفردات المكان تصدر كل خميس

 

لمتابعة الحلقة الأولى:

دليل الخليج.. القسم التاريخي (1)

طباعة Email