لم يكن بناء الأهرامات في مصر القديمة مجرد إنجاز معماري استثنائي، بل ظل على مدى قرون لغزاً هندسياً يثير تساؤلات العلماء والباحثين حول الوسائل التي استخدمها المصريون القدماء لنقل ملايين الأحجار الضخمة ورفعها إلى ارتفاعات شاهقة، وفي الوقت الذي ارتبطت فيه التفسيرات التقليدية باستخدام المنحدرات الخشبية والحبال والرافعات البسيطة، تطرح دراسة علمية حديثة تصوراً مختلفاً، يستند إلى استخدام المياه وآلية رفع هيدروليكية ربما ساعدت في تشييد أقدم أهرامات مصر.
ووفقاً لدراسة نشرها باحثون في مجلة «PLOS ONE» العلمية، فإن هرم زوسر المدرج في منطقة سقارة ربما شهد استخدام نظام هندسي يعتمد على قوة المياه لرفع الكتل الحجرية، من خلال منصة عائمة تتحرك داخل بئر عميقة، وتستعين بالحبال والبكرات لنقل الأحجار إلى مستويات أعلى أثناء البناء.
وتستند الفرضية إلى تحليل مجموعة من المنشآت الأثرية المحيطة بالهرم، التي يعتقد الباحثون أنها ربما أدت وظائف مرتبطة بتجميع المياه وتنقيتها وتوجيهها.
4700 عام ولا إجابات
يعود تاريخ هرم زوسر المدرج إلى نحو 2680 قبل الميلاد، وشُيد ليكون مقبرة للملك زوسر، ويُنسب تصميمه تقليدياً إلى المهندس المعماري إيمحتب، ويبلغ ارتفاع الهرم نحو 60 متراً، ويتكون من ست درجات متراكبة، ويُعد أول هرم في تاريخ مصر وأحد أبرز التحولات في العمارة المصرية القديمة، مع الانتقال إلى استخدام الأحجار في تشييد المنشآت الضخمة.
وتشير الدراسة إلى أن الهرم يضم أكثر من 2.3 مليون كتلة من الحجر الجيري، يبلغ متوسط وزن الواحدة منها نحو 300 كيلوغرام، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية نقل هذه الكميات الهائلة من الأحجار ورفعها إلى مستويات البناء المختلفة، خصوصاً في ظل عدم وجود دليل حاسم حتى الآن يحدد الطريقة الدقيقة التي استخدمها المصريون القدماء في تشييده.
وقاد الدراسة الباحث الفرنسي كزافييه لاندرو، المتخصص في علوم المواد ومؤسس معهد «باليوتكنيك» للأبحاث، بمشاركة باحثين في مجالات الهيدرولوجيا والجغرافيا، حيث ركز الفريق على دراسة التضاريس ومجاري المياه القديمة في منطقة سقارة، بحثاً عن أدلة توضح كيفية الاستفادة من الموارد المائية في عمليات البناء.
هل كان سور جسر المدير سداً مائياً؟
تبدأ الفرضية من منشأة أثرية غامضة تُعرف باسم «جسر المدير»، وهي عبارة عن مجمع حجري مستطيل يبلغ طوله نحو 620 متراً وعرضه 360 متراً، وتصل سماكة جدرانه إلى نحو 15 متراً.
ولا يزال الغرض الأصلي من هذه المنشأة محل نقاش بين الباحثين، إذ طُرحت تفسيرات مختلفة بشأن استخدامها، من بينها أنها كانت حصناً أو منطقة ذات وظيفة احتفالية.
لكن فريق الدراسة يطرح تفسيراً آخر، مفاده أنها ربما كانت سداً لتجميع مياه الأمطار والسيول الموسمية، خصوصاً أنها تقع على مسار وادي أبو صير، الذي تصرف مياهه عبر مساحة تبلغ نحو 15 كيلومتراً مربعاً.
ويرى الباحثون أن تركيب المنشأة، الذي يتضمن طبقات من الأحجار والركام والرمال والطمي، يتشابه مع خصائص منشآت السدود القديمة، بما يسمح بإبطاء تدفق مياه السيول واحتجاز الرواسب، وتوفير مصدر مائي يمكن الاستفادة منه في المنشآت المجاورة.
منشأة غامضة ربما كانت محطة لتنقية المياه
أما الدليل الثاني الذي تستند إليه الفرضية، فيرتبط بالخندق الجاف المحيط بمجمع زوسر، والذي يمتد لمسافة تقارب 3 كيلومترات، ويضم في جانبه الجنوبي خندقاً صخرياً عميقاً يُعرف باسم «الخندق العميق».
ويصل عمق هذا الخندق إلى نحو 27 متراً، بينما يبلغ عرضه قرابة 3 أمتار، ويعتقد الباحثون أنه ربما لم يكن مجرد محجر لاستخراج الأحجار أو منشأة ذات طابع طقوسي، بل ربما استُخدم ضمن نظام لمعالجة المياه.
وتقترح الدراسة أن الحجرات الموجودة داخله ربما أدت وظائف متتابعة، تبدأ بترسيب الرمال والشوائب، ثم احتجاز المياه في حوض مبطن بالحجارة، وصولاً إلى مرحلة أخرى لتنقيتها، مع وجود أربع آبار ربما أتاحت الوصول إلى المياه المخزنة.
لكن هذا التفسير لا يزال افتراضاً يحتاج إلى مزيد من الأدلة، خصوصاً أن أجزاء من الخندق لم تُكشف بالكامل حتى الآن، إذ لم يُنقب سوى نحو 240 متراً من امتداده المحتمل البالغ 410 أمتار، بينما تعوق المقابر اللاحقة استكشاف بقية أجزائه.
كيف كان الماء يرفع الأحجار؟
تتمثل الفكرة الأكثر إثارة في الدراسة في وجود آلية هيدروليكية أسفل هرم زوسر، تعتمد على بئر يصل عمقها إلى نحو 28 متراً، ويبلغ عرضها قرابة 7 أمتار، وتضم في قاعها صندوقاً من الجرانيت يحتوي على سدادة حجرية ثقيلة.
ويرتبط هذا الموقع بنفق يبلغ طوله نحو 200 متر، يصل إلى بئر أخرى وصندوق جرانيت ثانٍ في الجهة الجنوبية.
ويرى الباحثون أن الصندوق الجرانيت الموجود أسفل الهرم ربما لم يكن مجرد حجرة للدفن كما جرى تفسيره تقليدياً، بل ربما أدى وظيفة تشبه الصمام الذي يتحكم في تدفق المياه، مستندين في ذلك إلى طبيعة الفواصل بين أحجاره، والأخاديد الموجودة في السدادة الحجرية، التي يعتقدون أنها ربما استُخدمت لتثبيت الحبال.
وبحسب التصور الذي قدمه الفريق، كان دخول المياه إلى البئر يؤدي إلى ارتفاع منصة عائمة بفعل قوة الطفو، وتتحرك معها الأحجار الموضوعة فوقها، بينما تنقل الحبال والبكرات هذه الكتل إلى مستوى أعلى.
وعند تصريف المياه، تهبط المنصة مجدداً، بما يسمح بتكرار العملية ورفع أحجار أخرى، في نظام يشبه المصعد المائي البدائي.
وتوضح الرسوم الهندسية المصاحبة للدراسة تصوراً لشبكة مائية تمتد عبر المنطقة، ويصل طول مساراتها إلى نحو 7 كيلومترات، لتربط بين منشآت تجميع المياه ومعالجتها وآلية الرفع المقترحة.
18 مليون متر مكعب من المياه لرفع أحجار الهرم
حاول الباحثون تقدير حجم المياه اللازمة لتشغيل النظام المفترض، وخلصت حساباتهم إلى أن رفع جميع كتل الهرم من مستوى الأرض يحتاج إلى ما يصل إلى 18 مليون متر مكعب من المياه، وفق الحد الأعلى لتقديراتهم.
كما أشاروا إلى أن وادي تفلة الواقع جنوب الموقع ربما وفر ما بين 4 و54 مليون متر مكعب من المياه خلال فترة بناء تتراوح بين 20 و30 عاماً، وهو ما يضع إمدادات المياه ضمن العناصر التي يستند إليها التصور الجديد.
ولا تفترض الدراسة بالضرورة أن النظام الهيدروليكي كان الوسيلة الوحيدة للبناء، إذ يطرح الباحثون إمكانية استخدام المنحدرات التقليدية في المستويات السفلية، والاستعانة بآلية الرفع المائي في مراحل أخرى عندما تتوافر المياه.
لماذا يشكك علماء الآثار في الفرضية؟
على الرغم من التفاصيل الهندسية التي قدمتها الدراسة، فإن الفرضية لا تحظى بإجماع بين المتخصصين في علم المصريات والآثار، إذ تتمثل أبرز نقاط الضعف في عدم العثور حتى الآن على معدات رفع هيدروليكية أو أدلة مباشرة تثبت استخدام مثل هذه الآلية في موقع الهرم.
كما يثير باحثون تساؤلات حول كفاية الأمطار والسيول لتوفير كميات المياه اللازمة، ومدى إمكانية تشغيل نظام بهذه التعقيدات مقارنة بالوسائل التقليدية المعتمدة على العمالة البشرية والمنحدرات والحبال.
وأشارت الباحثة في الجيولوجيا الأثرية بجامعة كامبريدج، جوديث بانبري، إلى أن المصريين القدماء عرفوا تقنيات مرتبطة باستخدام المياه، لكن ذلك لا يمثل دليلاً على أنهم استخدموا نظاماً هيدروليكياً لرفع الأحجار بهذا الشكل.
كما انتقدت عالمة الآثار جوليا بودكا غياب المتخصصين في علم المصريات والآثار عن فريق البحث، فيما شكك عالم المصريات كولين ريدر في تفسير منشأة جسر المدير باعتبارها سداً مائياً، ورد مؤلفو الدراسة على هذه الانتقادات في نقاش علمي منشور.
ويقر الباحثون أنفسهم بوجود فجوات مهمة في الأدلة، من بينها عدم العثور على قناة تربط الخندق العميق بالآبار الموجودة أسفل الهرم، فضلاً عن عدم استكشاف أجزاء من البئر الشمالية حتى الآن.
ويعتزم الفريق إجراء دراسات جيولوجية وأخذ عينات من منشأة جسر المدير للتحقق مما إذا كانت قد احتجزت المياه بالفعل في الماضي.
ومن بين القرائن التي استند إليها الباحثون ملاحظات وردت في خرائط تعود إلى القرن الثامن عشر، وضعها الرحالة الفرنسي كلود إتيان سافاري، وتضمنت إشارة إلى أن وادي تفلة كان مغلقاً بواسطة أحد ملوك مصر القدماء.
وبينما لا تزال آلية بناء هرم زوسر موضع بحث ونقاش، تفتح الدراسة مساراً جديداً لفهم العلاقة بين الهندسة وإدارة المياه في مصر القديمة، لكنها لا تقدم دليلاً نهائياً على استخدام المصريين القدماء آلة هيدروليكية لرفع الأحجار، بل تطرح فرضية علمية تنتظر المزيد من الاختبارات الأثرية والهندسية.


