بين خيوط النايلون المتشابكة، وإيقاع يديه اللتين اعتادتا الحركة بدقة وصبر، يجلس صانع "الليخ" الإماراتي محمد سعيد الزعابي، البالغ من العمر 77 عاماً، في سوق الواجهة البحرية بدبي، خلال افتتاح موسم الصيد، منشغلاً بحياكة الشباك المعروفة محلياً باسم «الليخ».
لا يبدو الأمر بالنسبة إليه مجرد عمل يدوي يمارسه لكسب الرزق، بل حكاية عمر طويلة نسجت خيوطها على إيقاع البحر، وارتبطت تفاصيلها بذاكرة الأجداد ومواسم الصيد ورزق البحر.
صبر وخبرة
منذ سنوات طويلة، اعتاد الزعابي التعامل مع خيوط الشباك كما يتعامل البحار مع أمواج البحر، بصبر وخبرة ومعرفة لا تكتسبها الكتب، وإنما تصقلها الممارسة وتراكم التجارب. وبيدين تعرفان أسرار هذه الحرفة، يمرر الخيوط ويعقدها، لتتشكل تدريجياً شبكة متماسكة، يدرك جيداً أن جودة صناعتها قد تصنع الفارق في رحلة الصيد.
ويقول الزعابي لـ«البيان» إن حياكة الليخ من الحرف البحرية الأصيلة التي ارتبطت بحياة الصياد الإماراتي قديماً، إذ لم تكن رحلات الصيد لتكتمل من دون شباك متينة يصنعها أصحاب خبرة يعرفون طبيعة البحر وأنواع الأسماك وطرق اصطيادها.
ويوضح أن صناعة الشبكة ليست مجرد تشابك للخيوط، بل تحتاج إلى دقة في تحديد مقاس العيون، واختيار الخيوط المناسبة، ومراعاة نوع السمك المراد اصطياده وطبيعة المنطقة البحرية.
شباك هائمة
ويشرح الزعابي أن «الليخ» هو الاسم الذي يطلق على شباك الصيد، وتختلف أنواعه وأحجامه بحسب طريقة الاستخدام ونوع الأسماك المستهدفة، فمنها الشباك الخيشومية التي تعلق الأسماك فيها من خياشيمها، ومنها الشباك الهائمة التي تترك في الماء لتتحرك مع التيارات البحرية، والشباك الدائرية التي تحيط بالأسماك، فضلاً عن الشباك القاعية الثابتة التي توضع في قاع البحر وتستخدم في المناطق الصخرية والمرجانية.
ويشير إلى أن لكل نوع من هذه الشباك مواصفات خاصة، سواء من حيث حجم الفتحات أو سماكة الخيوط أو طريقة تثبيتها، فالصياد المتمرس يعرف أن اختيار الشبكة المناسبة يرتبط بموسم الصيد ونوع السمك والمكان الذي ينوي الإبحار إليه.
دقة وتركيز
أما عملية الحياكة، فتبدأ باختيار الخيوط المناسبة، ثم استخدام أداة تقليدية تعرف باسم «البرية»، وهي قطعة تستخدم في تمرير الخيط وتشكيل عيون الشبكة ونسجها بصورة متناسقة، وتحتاج هذه العملية إلى تركيز ودقة كبيرين، خصوصاً عندما تكون الشبكة كبيرة الحجم، إذ ينبغي أن تتساوى فتحاتها وتتماسك عقدها حتى تتحمل قوة الماء وحركة الأسماك.
ولا تنتهي مهمة صانع الليخ عند إتمام حياكة الشبكة، بل تمتد إلى إصلاحها وصيانتها، إذ تتعرض خيوطها للتمزق خلال رحلات الصيد، ما يستدعي إعادة نسج الأجزاء التالفة والمحافظة على تماسكها، لتعود صالحة للاستخدام من جديد.
ذاكرة ثقافية
وبالنسبة إلى الزعابي، فإن قيمة هذه الحرفة لا تقاس بما تنتجه من شباك فحسب، وإنما بما تختزنه من ذاكرة اجتماعية وثقافية، فقد كانت مهنة حياكة الليخ جزءاً أساسياً من منظومة العمل البحري في الإمارات، وارتبطت بمهن أخرى مثل صناعة القوارب وصيانة معدات الصيد وتجهيز مستلزمات الرحلات البحرية.
وكان الصياد قديماً يعتمد على خبرة صانع الشباك بقدر اعتماده على خبرته في البحر، فالشبكة المتقنة تعني فرصة أفضل للعودة بصيد وفير، كما أن إصلاحها في الوقت المناسب يجنب الصياد خسارة أدوات عمله.
خبرة
ويؤكد أن هذه الحرفة تتطلب نفساً طويلاً ووقتاً وجهداً، فحياكة شبكة كبيرة قد تستغرق أسابيع، تبعاً لطولها وحجمها ودقة العمل المطلوب فيها، وهو ما يجعل إتقانها مرتبطاً بالخبرة والممارسة المتواصلة.
ويرى الزعابي أن الحفاظ على حياكة الليخ لا يعني التمسك بأداة قديمة فحسب، بل صون جانب مهم من تاريخ المجتمع الإماراتي، حين كان البحر مصدراً للرزق، ومدرسة يتعلم فيها الأبناء الصبر والاعتماد على النفس والتعاون.
فخلف كل شبكة حكاية صياد، وخلف كل عقدة خبرة جيل، وخلف كل رحلة بحرية تراث يستحق أن ينتقل إلى الأبناء والأحفاد.
وبينما يواصل الزعابي حياكة خيوطه، تبدو كل شبكة جديدة امتداداً لحكاية لم تنتهِ بعد؛ حكاية رجل أمضى سنوات عمره قريباً من البحر، ولا يزال يرى في كل عقدة ينسجها أمانة تحفظ ذاكرة الآباء والأجداد، وتبقي مهنة الليخ حاضرة في وجدان الأجيال، مهما تبدلت أدوات الصيد وتطورت تقنياته.

