أحاديث ما بعد الصلاة تزاحم هدوء المساجد


بعد التسليم في الصلاة، تبدأ بالاستغفار ويلهج لسانك بذكر الرحمن، لكن سرعان ما تتعالى أصوات من خلفك. تلتفت وراءك فترى المصلين الذين حضروا مبكراً وصلوا الصلاة كاملة مع الإمام وهم الآن يهمّون بالخروج لكن أحدهم رأى آخر يعرفه فقرر السلام عليه وسط المسجد وتوقفا في المنتصف والمصلون ما زالوا من حولهم، منهم من انصرف لأداء صلوات السنة ومنهم من يكمل ما فاته من المكتوبة بعد التسليم.
لكنهما قررا التوقف والحديث بصوت عالٍ عن العمل أو السفر، ثم انضم إليهما ثالث ورابع، ثم انضم خامس وسادس، لكن الأخير تذكر أن هناك موضوعاً آخر يفتحه مع الأول، فأخذ الأول على جانب وفتح معه موضوعاً، فأصبح خلفنا مجموعتان تتحدثان بصوت عالٍ جداً خلف المصلين وحالة التشويش في ذروتها.
متى أصبح هذا أمراً عادياً؟
والغريب أن بعض المتحدثين لا يبدو عليهم أنهم يشعرون بأن أصواتهم قد تزعج شخصاً يقف على بُعد أمتار قليلة منهم في الصلاة.
لم تكن المساجد قط بهذه الصورة في العقود الماضية، فنحن نتذكر جيداً الوضع في الثمانينيات والتسعينيات وعقد الألفية الأول، كانت المساجد بصورة مختلفة تماماً. كانت تتمتع بهيبة الصمت والهدوء حتى إنك لتسمع صوت باب السيارة لو أغلق من خارج المسجد.
كان الهدوء بعد الصلاة جزءاً طبيعياً من المشهد. لم يكن أحد يحتاج إلى لوحة تقول له: اخفض صوتك. ولم يكن من الضروري أن يطلب الإمام من الناس عدم الحديث.
في الحقيقة لو أردت فهم آداب المسجد، فانظر إلى إمامه، أي إمام. ستجد الإمام نفسه يتحدث بعد الصلاة هامساً لأن الرجل يعرف آداب المكان. أو ستجده ينتظر في الخارج أحد المصلين لو كان بينهما حديث أو منفعة.
ولم نرى إماماً قط يتحدث بصوت عالٍ في مسجد. كلها أفعال تبدر من بعض المصلين أنفسهم.
الحياة الحديثة نفسها أصبحت أكثر ضجيجاً. الهواتف ترافقنا في كل مكان، والمكالمات لا تنتظر، والإنسان اعتاد أن يتحدث ويعلق ويرد في أي لحظة. وربما تسرب هذا الإيقاع، من دون أن نشعر، إلى أماكن كان الصمت فيها جزءاً من طبيعتها.
لكن المسجد يظل مختلفاً ولا يستحق هذا المكان المقدس أن نفسد هيبته. هناك فرق كبير بين السلام الهادئ، وبين حديث يسمعه نصف المسجد الذي كان الهدوء يوماً ما من أوضح سماته.
وينظر عالم الاجتماع الأمريكي ريتشارد سينيت إلى مراعاة الآخرين في الأماكن المشتركة بوصفها جزءاً أساسياً من الحياة العامة. ففي كتابه The Fall of Public Man، يرى أن «الهدف من المدنية هو حماية الآخرين من أن نثقل عليهم بأنفسنا». وهي عبارة تبدو شديدة الصلة بما يحدث أحياناً بعد الصلاة؛ فالمشكلة ليست في أن يلتقي الإنسان بصديقه أو يسلم عليه، وإنما في أن يتحول حضوره، من دون أن يشعر، إلى عبء على شخص آخر ما زال يحاول إتمام صلاته.
ربما المشكلة أننا أصبحنا نربط انتهاء صلاة الإمام بانتهاء صلاة الجميع. لكن الصفوف تخبرنا بغير ذلك. يكفي أن ننظر حولنا بعد التسليم، سنجد دائماً تقريباً صفاً أو أكثر ما زالوا يصلون.
ناهيك عن أولئك الذين يفضلون الاعتكاف في المسجد وتلاوة القرآن. ما ذنب هؤلاء ليتعرضوا لغزو ضوضائي يدمر سكينتهم.

نجد في كل المساجد تقريباً لوحة «أغلق هاتفك في الصلاة» أو نسمع الإمام أحياناً يطلب من المصلين فعل ذلك قبل تكبيرة الإحرام. ولكن لا نجد لوحة تطلب من المصلين التزام الهدوء داخل المسجد بعد صلاة الإمام أو نقل أحاديثهم إلى خارج المسجد. ولا نرى هذا الكلام حتى مكتوباً على الشاشات الذكية التي تملأ مساجدنا اليوم.