حين أنقذت الأبوة "غود أوف وور"

حين ظهرت شخصية "كريتوس" لأول مرة، لم تكن معروفة بالحكمة أو الحنان أو ضبط النفس. كان رمزاً للغضب الخالص؛ رجل يحطم الممالك، ويترك خلفه سلسلة طويلة من الدمار. لسنوات، قامت سلسلة "غود أوف وور" على الانتقام والقوة والعنف، حتى بدا أن شخصيتها الرئيسية لا تعرف لغة أخرى غير الحرب، لكن في أحدث نسخة للعبة، حدث شيء غير متوقع. لم تتغير اللعبة فقط، بل تغير كريتوس نفسه.

رحلة مختلفة

وتشير مجلة "تايم" إلى أن العلاقة بين "كريتوس" و"أتريوس" أصبحت المحور الحقيقي للعبة، وأن القصة لم تعد تدور حول القتل بقدر ما تدور حول تعلم الأبوة، فبدلاً من رحلة للانتقام، بدأت القصة هذه المرة برحلة أب وابنه لتحقيق وصية أم راحلة. إلى جانب "كريتوس" ظهر "أتريوس"، الطفل الذي لا يعرف والده جيداً، والذي يقضي معظم اللعبة محاولاً فهم هذا الرجل الصامت الذي يخفي أكثر مما يقول.

أب مرتبك

ما جعل العلاقة بين الشخصيتين مؤثرة أن اللعبة لم تقدم أباً مثالياً، فهو الأب فالذي لا يعرف كيف يعبّر عن مشاعره، ولا يجيد الحديث عن الخوف أو الحزن أو الحب، فحتى أبسط الكلمات تبدو صعبة عليه، ولهذا جاءت العلاقة بينه وبين ابنه أقرب إلى الواقع من كثير من قصص الأبوة المثالية. فالأب هنا لا يملك الإجابات كلها، بل يتعلم هو الآخر أثناء الطريق، وكانت قوة القصة تكمن في مشاهدة رجل قضى عمره في مواجهة الوحوش، وهو يعجز أحياناً عن إجراء حديث بسيط مع ابنه.

خوف الميراث

في حديثه مع مجلة "تايم"، أوضح المخرج كوري بارلوغ أن جزءاً كبيراً من القصة تأثر بتجربته الشخصية كأب، وبالخوف الذي يرافق فكرة تربية طفل وعدم نقل أخطاء الماضي إليه، وهذا ما جعل "كريتوس" مختلفاً هذه المرة. فهو لا يخاف من الوحوش بقدر ما يخاف من نفسه. يخاف من أن يرى ابنه يتحول إلى نسخة أخرى منه، أو أن يرث الغضب الذي دمر حياته، وهكذا أصبحت المعركة الحقيقية داخل الشخصية نفسها، لا خارجها.

لعبة ناضجة

ما حققته "غود أوف وور" لم يكن مجرد نجاح تقني أو بصري، فقد أثبتت أن ألعاب الفيديو قادرة على تناول موضوعات إنسانية معقدة بالعمق نفسه الذي نراه في الأدب والسينما، فبينما كانت ألعاب الأكشن التقليدية تدور غالباً حول الانتصار والقوة، تحدثت هذه اللعبة عن الحزن، والخسارة، والأبوة، والخوف، والمسؤولية، ولهذا شعر كثير من اللاعبين أن السلسلة كبرت معهم. لم تعد موجهة إلى المراهق الذي يبحث عن المعارك فقط، بل إلى البالغ الذي يعرف أن أصعب الحروب ليست دائماً تلك التي نخوضها بالسلاح.

جيلان مختلفان

يمثل "أتريوس" جيلاً مختلفاً تماماً عن والده، فهو أكثر فضولاً، وأكثر انفتاحاً على العالم، وأقل قسوة، وبينما يحاول "كريتوس" حمايته من أخطاء الماضي، يحاول "أتريوس" فهم العالم من حوله بطريقته الخاصة.

ولهذا بدت الرحلة كلها كأنها حوار بين جيلين؛ جيل نشأ على الخوف والقوة والصمت، وجيل يبحث عن الفهم والمعرفة والأسئلة، ولم تكن اللعبة تعلم الابن فقط، بل كانت تسمح للابن بأن يعلّم الأب أيضاً، ولهذا السبب بقيت علاقة "كريتوس" و"أتريوس" في ذاكرة اللاعبين أكثر من معظم المعارك التي خاضاها، فالناس لم يتأثروا لأنهما واجها الوحوش، بل لأنهما حاولا فهم بعضهما البعض أثناء الطريق.