في الماضي، كان الأطفال يلعبون دور الطبيب أو رجل الإطفاء أو الطيار داخل المدن الترفيهية المصغّرة. أما اليوم، فيبدو أن العالم أضاف مهنة جديدة إلى خيال الطفولة: محقق الأمن السيبراني.
داخل «كيدزانيا دبي»، لم يعد الخطر دائماً شيئاً مادياً يمكن رؤيته، بل قد يكون رابطاً مجهولاً، أو رسالة احتيالية، أو اختراقاً رقمياً لا يُرى بالعين. ولهذا افتتحت «كاسبرسكي» مركزاً جديداً للأمن السيبراني يتيح للأطفال تقمص دور المحققين الرقميين، واكتشاف التهديدات السيبرانية وتعلم أساليب الحماية منها بطريقة تفاعلية.
لكن اللافت في التجربة ليس التكنولوجيا وحدها، بل الفكرة التي تقف خلفها: كيف أصبح الأمن الرقمي جزءاً من التربية نفسها؟
طفولة متصلة
الأطفال اليوم لا يدخلون الإنترنت متأخرين كما فعلت الأجيال السابقة. إنهم يولدون تقريباً داخل عالم رقمي جاهز: ألعاب، وأجهزة لوحية، ومنصات فيديو، ومحادثات، وخوارزميات تراقب اهتماماتهم منذ سنواتهم الأولى.
ولهذا ترى الشركات والمؤسسات أن الوعي السيبراني لم يعد مهارة تقنية للنخبة، بل ضرورة حياتية تشبه تعلم عبور الشارع أو حماية المعلومات الشخصية.
ويقول راشد المومني، المدير العام لشركة كاسبرسكي في منطقة الشرق الأوسط، إن اهتمام الشركة بالأطفال ينبع من كونهم يقضون وقتاً طويلاً على الإنترنت، "فعليهم تعلم استخدامه بشكل آمن"، مضيفاً أن الإمارات تعد من الدول المتقدمة في مجال الأمن السيبراني، وهو ما يعكس اهتمام الدولة بهذا المجال.
مهنة المستقبل
المثير أن التكنولوجيا لم تعد فقط جزءاً من حياة الأطفال، بل بدأت تشكل خيالهم المهني أيضاً. فبحسب استطلاع أجرته «كاسبرسكي»، يرى 88.5% من أولياء الأمور في الإمارات أن أبناءهم قد يصبحون متخصصين في تقنية المعلومات، بينما اختار 42% منهم قطاع التكنولوجيا بوصفه المجال المهني الأكثر تفضيلاً لأطفالهم مستقبلاً.
أما الأسباب، فتعكس كيف تغيّرت نظرة المجتمع إلى التكنولوجيا:
- 49% يرون أن المجال يتيح التعلم المستمر
- 46.4% يعتبرونه فرصة للمساهمة في «تكنولوجيا تغيّر العالم»
- 41.5% يشيرون إلى الفرص الدولية
- 40.9% يربطونه بارتفاع الطلب على المتخصصين
- 33.1% يرون فيه رواتب جيدة
- بينما أشار 21.3% إلى مرونة العمل وإمكانية العمل عن بُعد
هذه الأرقام لا تتحدث فقط عن سوق العمل، بل عن تحوّل ثقافي أوسع: التكنولوجيا لم تعد تُرى كقطاع معقد أو بعيد، بل كمسار طبيعي للمستقبل.
لعبة جدية
ولهذا اختارت «كيدزانيا» أن تقدّم الأمن السيبراني كلعبة وتجربة معيشة، لا كمحاضرة مدرسية جافة. فالطفل يتعلم هنا عبر التحقيق والتجربة وحل المشكلات، لا عبر التحذيرات فقط.
ويشرح سيف الله الجديدي، رئيس قنوات المستهلكين في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا، أن مثل هذه المبادرات تساهم في "بناء مجتمع أكثر جاهزية رقمية"، وتعزز المرونة السيبرانية على المدى الطويل، إلى جانب إعداد الكفاءات المستقبلية لاقتصاد يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن هذه المبادرات تنسجم مع توجهات الدولة في تعزيز دور الذكاء الاصطناعي والابتكار والاستعداد للمستقبل.
خوف جديد
الأمن السيبراني، في جوهره، يعكس نوعاً جديداً من المخاوف البشرية. فالأطفال الذين كان يُطلب منهم سابقاً الحذر من الغرباء في الشارع، أصبح عليهم اليوم الحذر أيضاً من الغرباء خلف الشاشة.
لكن الفرق أن التهديد الرقمي غالباً غير مرئي، ولهذا يصبح التعليم المبكر أكثر أهمية. فالطفل لا يحتاج فقط إلى معرفة استخدام التكنولوجيا، بل إلى فهم علاقتها بالثقة والخصوصية والخداع والمعلومة.
مدينة المستقبل
داخل «كيدزانيا»، يتعلم الأطفال اليوم كيف يكتشفون الهجمات السيبرانية ويحللون الأدلة الرقمية. وقد يبدو المشهد للوهلة الأولى مجرد نشاط ترفيهي، لكنه في الحقيقة يقدّم صورة واضحة عن شكل العالم القادم.
فالمدينة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الطرق والمباني، بل على الشبكات والبيانات والبنية الرقمية أيضاً. وكلما أصبح العالم أكثر اتصالاً، أصبح الأمن السيبراني أقرب إلى البنية الأساسية للحياة اليومية.
ولهذا تبدو مراكز كهذه وكأنها لا تدرب الأطفال على وظيفة مستقبلية فقط، بل على طريقة جديدة لفهم العالم نفسه.
افتتاح مركز للأمن السيبراني داخل مدينة أطفال أكثر من مجرد تعاون بين شركة ومركز ترفيهي؛ إنه اعتراف بأن المستقبل الرقمي لم يعد مستقبلاً بعيداً، بل طفولة تُبنى الآن.



