ثمة كتّاب يتركون كتباً، وثمة كتّاب يتركون وراءهم طريقة في النظر إلى الأشياء، وهذا ما يجعل غياب الشاعر والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني، بعد سنوات من رحيله، قابلاً لأن يُقرأ من جديد.. فما الذي نفتقده في غيابه؟
ولد أحمد راشد ثاني في خورفكان عام 1962م، وهناك، بدأ يتشكل عالمه الأول، قبل أن تتسع تجربته لتشمل الشعر والمسرح والبحث في الثقافة الشعبية والكتابة الصحفية.. غير أن هذه المسارات المتعددة كانت تلتقي عند شغف واحد..
ففي الشعر، ترك تجربة تنتمي إلى التحولات الحديثة في القصيدة الإماراتية، وصدرت له مجموعات من بينها "يأتي الليل ويأخذني" و"جلوس الصباح على البحر" و"سبع قصائد من أحمد راشد ثاني إلى أمه التي لا تعرفه". وفي المسرح كتب "قفص مدغشقر" و"العب وقول الستر"، كما كتب عن المسرح الإماراتي نفسه.
لكن وجهه الأكثر فرادة ربما يظهر حين يغادر الكاتب مكتبه ويذهب إلى الناس.. فاستمع إلى الرواة وكبار السن، وسجّل الحكايات والمرويات، واشتغل على تفريغها وتوثيقها، مؤمناً بقيمة الصوت البشري بوصفه حاملاً للذاكرة.. ومن هذا العمل جاءت كتب مثل "حصاة الصبر" و"دردميس" و"إلا جمل حمدان في الظل بارك"، حاملة حكايات كانت تعيش قبل ذلك في المشافهة.
لم يتوقف أحمد راشد ثاني عند جمع الحكاية، ودخل إلى لغتها، متتبعاً مفرداتها في المعاجم، كما فعل في "زمان يضرب زمان"، وذهب إلى الماجدي بن ظاهر، فبحث في سيرته وقصائده، وقارن بين المروي والمخطوط والمطبوع في محاولة لتوثيق واحد من أهم أصوات الشعر الشعبي في الإمارات.
وكانت الصحافة مساحة أخرى لهذا الشغف، ليكتب المقال والملف، ويقترب من الشخصيات والأمكنة والتفاصيل التي قد تبدو صغيرة في زمنها، ثم نكتشف لاحقاً أنها كانت أجزاء من صورة أكبر.
لهذا يبدو أحمد راشد ثاني، بعد رحيله، أكبر من تعريف أنه شاعر، أو باحث، أو مسرحي، أو كاتب.. هو كل ذلك، وربما هذا تحديداً ما نفتقده في غيابه، أي ذلك المثقف الذي كان يذهب وراء الذاكرة قبل أن تضيع..
رحمه الله، لا أكتبه رثاءً بقدر أنه الجواب بأننا نفتقد شاعراً، وباحثاً ميدانياً، وجامعاً للحكاية، ومحققاً للشعر الشعبي، ومسرحياً، وكاتباً صحفياً… أي أن غيابه المبكر ترك أكثر من مقعد فارغ في الثقافة الإماراتية.
