علاقة وثيقة تربط قيم ومفردات الهوية بالكاتب أو عوالم الأدب، ونجد، على الصعيد العالمي، أن العديد من الكتاب تمكنوا من الحفاظ على هويتهم من خلال كتاباتهم على اختلاف أنواعها: بين روايات، أو أشعار، أو بحوث، أو غيرها. ومن المؤكد أن الإمارات ليست بعيدة عن هذه الحال، إذ تعزز إبداعات أدباء وبحّاثة الإمارات قيم الهوية وتثري حضورها وتأثيرها وأهميتها في الوقت المعاصر، موثقة علاقة الشباب بتراثهم وثقافتهم وعاداتهم وأصالتهم.
وتثري وتقوي هذا التوجه والواقع مبادرات وخطط عمل حكومة الإمارات التي تسعى دائماً للحفاظ على الهوية الوطنية، سواء من خلال المشروعات والأعمال والمبادرات المتنوعة التي تطلقها وتحث من خلالها على الإبقاء على الهوية صافية نقية على مر العصور، أو من خلال دعم وتحفيز أبنائها المثقفين والكتاب، والفنانين، والرسامين، وغيرهم.
«البيان» استطلعت آراء العديد من الكتاب الإماراتيين حول أهمية أدوار وإسهامات أدباء الإمارات في صون الهوية الوطنية، من خلال أعمالهم، بجانب أنجع كيفيات البناء على ذلك وإغنائه. إذ شددوا على أن الأدب الإماراتي أصبح حصناً منيعاً لصون الهوية المحلية وحديقة غناء لإثراء وتعزيز حضور مكوناتها في العصر الراهن، موثقاً علاقة الشباب بتراثهم وقيمهم.
يقول الأديب علي عبيد الهاملي، نائب رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي: إن الكتاب يلعبون دوراً مهماً في الحفاظ على الهوية الوطنية لبلدانهم، من خلال وسائل عدة، أولها: التمسك بلغة بلدانهم كلغة أساسية للكتابة، وتطويرها بأسلوب يواكب العصر، وإبراز جمالياتها وقدرتها على التعبير عن شؤون وطنهم وآماله وتطلعاته، ومن هذه الوسائل المحافظة على الموروث الثقافي والحضاري لأوطانهم من خلال استحضار الحكايات الشعبية والأمثال والشعر والتراث الشعبي والرموز التراثية في النصوص، وربطها بالواقع.
وأضاف الهاملي: «من بين هذه الوسائل أيضاً تسليط الضوء على قضايا الوطن وتحدياته، والقيم العليا التي يتمسك بها قادته ومواطنوه، وروح التسامح التي يقوم عليها، وإبراز خصوصية أوطانهم من ناحية البيئة المحلية والتحولات الاجتماعية التي تمر بها، مع الموازنة بين الأصالة والمعاصرة من خلال الانفتاح على الآخر والاستفادة من الحداثة من دون الذوبان أو فقدان الخصوصية الوطنية».
واستطرد الهاملي: «حافظ كتاب الإمارات وأدباؤها على مدى عقود من الزمن، على هوية وطنهم، فقدم الروائيون وكتاب القصص القصيرة نصوصاً تعكس البيئة المحلية للإمارات وتحولات المجتمع، وتوثق تفاصيل الحياة اليومية في المراحل المختلفة التي مر بها منذ عصر ما قبل النفط وحتى العصر الحديث، كما حمل الشعراء في قصائدهم لغة البحر والصحراء والجبل، وربطوا الأجيال الحاضرة بتراث الآباء والأجداد، وكذلك فعل الصحفيون فسطروا مقالات مزجت بين الفكر والهوية، ووضعت الثقافة الوطنية في مواجهة تحديات العولمة، وقد عملت المؤسسات الثقافية على تشجيع الكتاب والشعراء الإماراتيين، ودعمت نشر نتاجاتهم الفكرية والأدبية بما يحمي الذاكرة الوطنية ويشكل صورة المستقبل».
وتابع: «ندرك حين نقرأ نصوص الكتاب في كل الأمم، أن الكتابة لم تكن يوماً ترفاً ثقافياً أو نزوة شخصية، بل كانت وتبقى جداراً منيعاً يحمي الهوية الوطنية من التآكل، ويمنح الأجيال القادمة مرآة ترى فيها ملامحها الأصلية، مهما تغيرت الأزمنة».
قلم جسر
تشير الكاتبة والناقدة فاطمة المزروعي، إلى أنه يمكن للكاتب أن يحافظ على الهوية الوطنية ويعززها حين يجعل من قلمه جسراً يصل الماضي بالحاضر، فيستلهم من التراث والتاريخ قصصاً حية وشخصيات مؤثرة تعيد إحياء الذاكرة الجماعية، ويقدمها بروح معاصرة تجعلها قريبة من القارئ، فالهوية لا تتجسد في سرد وقائع جامدة، بل في تحويلها إلى حكايات نابضة تحمل القيم الإنسانية والوطنية وتغرس مشاعر الفخر والانتماء في النفوس، وهنا يبرز دور الكاتب في إعادة قراءة السيرة الوطنية وملاحم الأجداد وصور الحياة التقليدية، ثم صياغتها بلغة أدبية جذابة تمكن الجيل الجديد من التفاعل معها بوصفها جزءاً من يومه لا مجرد ذكرى بعيدة.
وأضافت: «إن اللغة العربية، بثرائها ورونقها، تمثل وعاء الهوية الأصيل، لذلك يصبح التمسك بها مع الانفتاح على اللهجة المحلية مدخلاً للحفاظ على الخصوصية الثقافية وإبراز ملامح الشخصية الإماراتية، وفي الوقت نفسه، لا يقتصر دور الكاتب على الماضي، بل يمتد إلى الحاضر من خلال معالجة القضايا الوطنية الراهنة بروح نقدية بناءة، وإبراز الإنجازات التي حققها الوطن في مجالات التنمية والعلم والثقافة، وربطها بجذور الهوية بما يعزز الثقة والاعتزاز بالذات الوطنية، كما يستطيع الكاتب أن يقدم شخصيات أدبية وأبطالاً قصصيين يجسدون قيم الكرم والشجاعة والتسامح والولاء للوطن، ليصبح الإبداع وسيلة لترسيخ الهوية في الوعي الجمعي».
وذكرت فاطمة المزروعي أنه يبرز في هذا الإطار، دور ملتقى المفكرين والمبدعين، بدعم من صندوق الوطن ومكتبة محمد بن راشد الذي عقد أخيراً، حاضنة أساسية لدعم الكتاب والمفكرين في هذه المهمة الوطنية، إذ يمكن أن تشكل المبادرة منصة حوارية تجمع المثقفين والأدباء لتبادل الرؤى حول الهوية وكيفية ترسيخها في الإنتاج الفكري والإبداعي، كما يمكنها إطلاق برامج زمالة ومنح للنشر والترجمة تتيح للكتاب التفرغ لإنتاج أعمال تعزز الانتماء وتوثق الموروث، وإلى جانب ذلك، توفر ورش عمل وتدريبات تسهم في صقل مواهب الشباب وتمكينهم من أدوات الكتابة النقدية والإبداعية، ويكرم الأعمال التي تجسد الهوية الوطنية وتقدم صورة مشرقة للإمارات في الداخل والخارج، وبذلك تصبح المبادرة جسراً بين المؤسسات التعليمية والثقافية وبين الأدباء والمفكرين، يعزز التواصل بين الأجيال، ويؤكد أن الهوية الوطنية ليست ماضياً محفوظاً، بل مشروعاً حياً يتجدد بالكلمة والفكر والإبداع، وينفتح على العالم دون أن يتخلى عن جذوره الراسخة.
تاريخ ومنائر
توضح الكاتبة مريم المزروعي أنه يمكن للكاتب أن يحافظ على الهوية الوطنية ويعززها من خلال كتاباته التي تستحضر تاريخ الوطن وتجارب أبنائه وقيمه الأصيلة، لا عبر الشعارات المباشرة، بل من خلال قصص إنسانية وصور أدبية تعبر عن روح المكان والزمان، وتمنح القارئ فرصة ليرى ذاته في مرآة وطنه.
وتستطرد: «الكاتب الواعي يترجم التاريخ إلى سرد حي، ويحول القيم إلى ممارسات يومية، ويجعل الهوية الوطنية مادة إبداعية نابضة بالحياة، ومع ذلك فإن مسؤولية الحفاظ على الهوية لا تقع على الكاتب وحده، بل تحتاج إلى تكامل الجهود مع المؤسسات والمبادرات الوطنية، ومن أبرزها على سبيل المثال صندوق الوطن الذي يشكل منصة داعمة للمبدعين والكتاب».
وأكدت أن صندوق الوطن يعمل على تنظيم ورش عمل وأنشطة ميدانية لطلبة المدارس، تهدف إلى غرس مفاهيم الهوية الوطنية في نفوس الناشئة منذ الصغر، وتعريفهم بتاريخهم وقيمهم ولغتهم، وتمكينهم من أدوات التعبير والابتكار ليكونوا قادرين على المشاركة في صياغة مستقبلهم، مشيرة إلى أن هذه الورش ليست مجرد نشاط مدرسي، بل هي وسيلة لبناء وعي جمعي، وصناعة جيل يفتخر بانتمائه ويعبر عنه بإبداع.




