في فضاء تتعانق فيه مخيلة الفنان مع آفاق التكنولوجيا، وتتقاطع فيه الفنون مع العلوم والبيانات والذكاء الاصطناعي، تتشكل ملامح جديدة للتعبير الإبداعي، تفتح أمام التجربة الإنسانية مسارات رحبة للتأمل والاكتشاف.
وبين أسئلة الهوية والوعي، ورهانات الاستدامة، وإمكانات الوسائط الرقمية، تتسع حدود الفن لتلامس قضايا الإنسان والعالم، وتعيد صياغة علاقة الجمهور بالعمل الفني.
وقد عكست أمسية «ليلة تحت النجوم»، التي نظمتها هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة»، تحت قبة الوصل بمدينة إكسبو دبي، ضمن فعاليات النسخة الحادية والثلاثين من المؤتمر الدولي للفنون الرقمية والواعدة «إيسيا 2026»، هذا الحراك الإبداعي عبر لقاءات استكشفت رؤى الفنانين وتجاربهم عند ملتقى الفن والتكنولوجيا، وما تتيحه التقنيات الناشئة من آفاق جديدة للإبداع والتواصل الثقافي.
آفاق واسعة
وفي تصريح لـ«البيان»، أكدت ميثاء علي البلوشي، مديرة إدارة الفنون الواعدة في «دبي للثقافة» ومديرة مشروع «إيسيا 2026»، أن المؤتمر الدولي للفنون الرقمية والواعدة، بوصفه منصة عالمية رائدة، يحرص على تمكين الفنانين من توسيع آفاقهم المعرفية والانفتاح على تجارب في مجالات مختلفة، مشيرةً إلى أن المؤتمر يركز على استكشاف آليات تقاطع الفن مع العلوم والتكنولوجيا، وإتاحة الفرصة للاطلاع على أفضل الممارسات الفنية، إلى جانب بناء شبكة علاقات متينة مع الخبراء والمتخصصين بما يسهم في تطوير الممارسات الحالية واكتساب مهارات جديدة.
وأوضحت ميثاء البلوشي أن الفنان عندما يبحث ويستخدم أدواته للاطلاع على مختلف البيانات والمعلومات، فإنه يضيف أبعاداً جديدة لتجربته الخاصة، لافتةً إلى أن رؤية الفنان للأمور تنطلق من شعوره ومنظوره الخاص؛ إذ لا يتم تقييده بوسط أو وسيط معين، بل يبتكر تجارب متنوعة تسخّر الفنون الواعدة والرقمية لخدمة الإنسانية وإبراز البيانات بقوالب مبتكرة ومحسوسة للجمهور.
ونوهت بأن أعمال المؤتمر شهدت استخدام تقنيات البيانات اللحظية والهويات الشخصية برؤى معاصرة تدمج التقنيات الحديثة، مؤكدةً أن التراث والأصالة لا يقتصران على أدوات محددة، بل تتكامل التقنيات الحديثة لمساعدة الفنان على إبراز هويته وبصمته الخاصة بأساليب إبداعية متفردة.
تقنيات حديثة
من جانبها، أوضحت إسرا أوزكان، منتجة مؤتمر «إيسيا 2026» والقيّمة الفنية المتخصصة في الفنون الرقمية والإعلامية، أن الدورة الحالية تشهد عرض عملين فنيين يُمثلان إسبانيا وألمانيا، مشيرةً إلى أن الفنانين المشاركين يجسدون من خلال أعمالهم مشاعرهم الإنسانية وتجاربهم العاطفية الممزوجة بالتقنيات الحديثة.
وأكدت أوزكان أن عام 2026 يستضيف أكثر من 100 عمل فني موزعة في مختلف أنحاء المدينة، في إطار خطة شاملة لتنشيط الفضاءات الحضرية تشمل أكثر من 20 موقعاً فعالاً، مضيفةً أن كل موقع يستضيف تصنيفات فنية متنوعة، تتضمن مساحات غامرة، وأعمالاً تفاعلية، وعروض إسقاط ضوئي متطورة، فضلاً عن الأعمال الفنية الحركية.
وبيّنت أن زوار المعارض يمكنهم استكشاف فئات متعددة تندرج تحتها عناوين فرعية بارزة تشمل: البيئة، والاستدامة، والتشكيلات الفنية، وأعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يعكس تنوع المشهد الإبداعي واحتضان دبي لمختلف أشكال الفنون المعاصرة.
تساؤلات عميقة
وأكد مايكل أنغ، أستاذ الوسائط التفاعلية في جامعة نيويورك أبوظبي، أن عمله الفني المشارك يركز بصورة أساسية على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومفاهيم الهوية الذاتية، وصولاً إلى مسائل الوعي الذاتي داخل هذه الكيانات المستحدثة، مشيراً إلى أن الفن يمثل منصة فاعلة ومثالية لطرح تساؤلات عميقة ومثيرة للتفكير، نظراً لمنحه الفنانين فرصة حقيقية للتفاعل مع التقنيات الحديثة واستكشاف أبعادها، فضلاً عن إثراء الجمهور بتجارب غنية تمكنهم من التفاعل مع هذه الموضوعات الحيوية.
وفي سياق متصل، تحدث مايكل أنغ عن دور الحوار الثقافي المشترك، مؤكداً أن إقامة مثل هذه الفعاليات في دبي توفر فرصة استثنائية للتواصل مع شرائح متنوعة من الجمهور ومختلف الثقافات، لافتاً إلى أن فريق «مجموعة الاستماع السيبرانية» يضم ممثلين عن عدة دول وخبرات ثقافية متعددة، ما يتيح دمج رؤى وخبرات متنوّعة في قالب واحد، معرباً عن سعادته البالغة لعرض هذه التجربة في دبي.
رؤى جديدة
ورأى الفنان المتخصص في تقاطع الفنون والعلوم والتكنولوجيا، سليمان لوبيز، أن دوره بصفته فناناً يتمحور حول رفع مستوى الوعي والإدراك نحو استخدام التقنيات الحديثة بمنظور واعٍ ومسؤول، موضحاً أن الفن يمثل أداة استثنائية وجسراً حيوياً لرفد الجمهور بأفكار ورؤى جديدة، فضلاً عن إرساء سلوكيات إيجابية تتلاءم مع التحديات التي يواجهها كوكب الأرض في الوقت الحالي.
وأشار لوبيز إلى أن المرحلة الراهنة تزخر بالعديد من الفرص والآفاق المتاحة للتواصل والتأثير، معتبراً أن الفن يجب أن يؤدي دوره الفاعل كأداة رئيسة ومميزة تلهم العقول الإبداعية والأجيال الصاعدة.
وفي ختام تصريحه، أعرب لوبيز عن بالغ تقديره لتجدد فرصة وجوده في دبي ومشاركته للمرة الثالثة في فعاليات معرض «سجي دبي»، متطلعاً إلى استمرارية مشاركته في المحافل الثقافية بالمنطقة.
أدوات أوسع
ولفت الفنان متعدد التخصصات والقيّم الفني ومنتج التجارب الغامرة، فيصل أنور، أن توظيف التكنولوجيا، وتطوير تجربة المتلقي، والحفاظ على جوهر التعاطف الإنساني والرسالة الفنية، تظل قضايا بالغة الأهمية في المشهد الثقافي المعاصر، موضحاً أن الفنانين الذين يُبدعون عبر تقاطع الفنون والعلوم والوسائط الناشئة باتوا يمتلكون أدوات أوسع، مبيناً أن تلك الأدوات لا تقتصر على التعبير الإبداعي فقط، بل تمتد لتتيح لهم إمكانية إشراك قواعد جماهيرية أكبر في أعمالهم.
وأشار أنور إلى أن العالم يعيش اليوم عصراً تتسارع فيه الإيقاعات على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وينتج كميات هائلة من المعلومات والبيانات التي أسهمت في إعادة تشكيل تفاعل الأفراد وطبيعة اتصالهم وإنتاجهم للمحتوى.
وقال: «أعتقد أنه في هذا الزمان والمكان، فإن الفنانين مثلي الذين يعملون عند تقاطعات هذه المجالات، لديهم إمكانيات شائقة للغاية للعمل على ثلاثة مستويات رئيسة لصناعة الفن: صنع الفن، وإنتاج الفن، ومشاركة الفن ورعايته، وهي عناصر تُعد قوية للغاية في وقتنا الحاضر».
وفيما يتعلق بمنهجيته الفنية، بيّن فيصل أنور أن الطبيعة الهجينة لصناعة الفن تفتح آفاقاً لإنتاج أعمال أكثر عمقاً وإثارة للاهتمام، متابعاً: «في ممارساتي الخاصة، أنظر إلى المناخ، وأدرس المعرفة، وأسعى للتقاطع مع أنظمة معرفية مختلفة مثل الأسس العلمية، وأفكر في المعرفة باعتبارها وسيطاً، ثم أشرع في إنجاز أعمال تتفاعل حقاً مع الجمهور».













