صناعة النشر و«فوبيا الذكاء الاصطناعي».. مخاوف مشروعة أم عائق أمام التطور؟

من معرض الشارقة للكتاب
من معرض الشارقة للكتاب
مهيار كوردين
مهيار كوردين
علي عبدالمنعم
علي عبدالمنعم
سعيد الجنيدي
سعيد الجنيدي


تواجه صناعة النشر تحديات غير مسبوقة مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ويردد البعض؛ ربما بشيء من المبالغة، مصطلح «موت المؤلف» للتحذير من أن هذه التقنيات شرعت تستأثر بعناصر العملية الإبداعية، فيما تبرز تساؤلات ملحة حول المخاطر التي تحيق بالملكية الفكرية في ظل عدم مراعاة بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي لها.


وتبقى الحقيقة رغم التحديات والمخاوف أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم أمراً واقعاً، فكيف نحقق المعادلة التي تحافظ على الروح الإبداعية للنص دون الابتعاد عن روح العصر الحديث؟ وهل يعاني الإبداع العربي من «فوبيا الذكاء الاصطناعي»؟ كيف نحقق المعادلة الصعبة؟


هذا الأسئلة طرحناها على المتخصصين على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، حيث أكدوا أن الذكاء الاصطناعي رغم ما ينطوي عليه من تحديات ومخاطر، إلا أنه يحمل فرصاً واسعة لتطوير صناعة النشر وتعزيز انتشار المحتوى العربي.


ويحذر علي عبدالمنعم، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «آراب بوك فيرس إنترناشيونال»، من أن تخوف الناشرين والمؤلفين من تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تكرار تجربة التأخر في التحول إلى النشر الإلكتروني، التي أبعدت المحتوى العربي عن مواكبة التطورات العالمية لمدة تراوحت بين 10 و15 عاماً.


ويقول: «إن الناشرين والمؤلفين العرب كانوا يتخوفون في السابق من إتاحة مؤلفاتهم عبر الإنترنت، خشية تراجع مبيعات الكتب الورقية، أو تعرض أعمالهم للقرصنة وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، إلا أن هذه المخاوف لم تمنع انتشار النسخ غير القانونية، بل أسهمت في تأخر صناعة النشر العربية عن التحول الرقمي».


ويرى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي رغم ما تنطوي عليه من تحديات ومخاطر قد تحمل فرصا واسعة لتطوير صناعة النشر وتعزيز انتشار المحتوى العربي.


ويشدد على ضرورة التمييز بين الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات التحريرية والإدارية، وبين إتاحة المؤلفات كاملة للمنصات العامة، موضحاً أنه لا ينصح المؤلفين والناشرين برفع الكتب كاملة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي العامة، وإنما الاكتفاء بتقديم الفقرات أو الفصول المطلوبة لإنجاز مهام محددة، مثل المراجعة اللغوية والتحرير والتحقق من المعلومات التاريخية.


حقوق الملكية الفكرية


من جهته، يؤكد الناشر خالد علي أن حماية حقوق المؤلفين تبدأ من العقود مع دور النشر، مشدداً على ضرورة أن تتضمن بنوداً واضحة تحدد أساليب استخدام الأعمال الأدبية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة، أو لإنتاج محتوى مشتق من الكتب، مثل الملخصات ومقاطع الفيديو والبودكاست والعروض التقديمية.


وينبه إلى أزمة استخدام بعض شركات الذكاء الاصطناعي للمحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية دون الحصول على الموافقات اللازمة قائلاً: هذا الأمر أثار نزاعات قانونية في الأسواق الغربية، ما دفع المحاكم والجهات التشريعية إلى التدخل لتنظيم هذه الممارسات، ولا بد من تشريعات عربية تنظم المشهد.


ويشير إلى أن احتمالات الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية ستظل قائمة مهما بلغت مستويات الحماية التقنية والقانونية، لافتاً إلى أن غياب الكتب العربية عن المنصات الرقمية لا يوفر لها الحماية من القرصنة، وإنما يحرم الناشرين والمؤلفين من فرص الوصول إلى القراء وتحقيق عوائد مالية عبر قنوات التوزيع المشروعة.


ويشدد على أنه إذا كانت حماية الملكية الفكرية ليست ممكنة بشكل كامل فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نعاني من فوبيا إزاء الذكاء الاصطناعي.
ويؤكد مهيار كوردين، المدير التنفيذي لمؤسسة «مؤمنون بلا حدود» للنشر والتوزيع، أن مواجهة التحديات التي تنشأ عن الذكاء الاصطناعي، تتطلب موقفاً عربياً موحداً يجمع وزارات الثقافة واتحادات الناشرين والنقابات المعنية، للخروج بقرارات مشتركة تضمن حماية حقوق المؤلفين والناشرين.


ويقول إنه مع الاعتراف بصعوبة حماية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي، إلا أنه من الممكن في حال توحيد الجهود العربية أن نقلل من تفشي الاعتداءات على حقوق المؤلفين والناشرين مشدداً على أنه يرفض فوراً أي كتاب أو مخطوطة يتبين له أنها أُنتجت بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.


ويعرب عن قلقه من تزايد الاعتماد على هذه الأدوات في التأليف والترجمة، وما قد يترتب على ذلك من تراجع في جودة المحتوى الأدبي والفكري قائلاً: يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يترجم حرفياً لكنه لا يفهم روح النص الأمر الذي يجعله ما يترجمه جامداً لا يستثير المشاعر.


ويضيف أن الإبداع الحقيقي سيظل مرتبطاً بالإنسان وقدرته على التفكير والابتكار، مؤكداً ثقته في أن أصحاب الأقلام المبدعة سيحافظون على مكانتهم بين القراء.


ويتوقع كوردين أن يشهد العالم خلال المرحلة المقبلة توجهاً متزايداً نحو وضع ضوابط تحد من الاستخدامات غير المنضبطة للذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن الوعي بالمخاطر المرتبطة بهذه التقنيات بدأ يتنامى عالمياً، وليس في المنطقة العربية وحدها.
ويشدد سعيد الجنيدي وهو صاحب دار نشر مقرها القدس أن الخطر يكمن في تحول الإنسان من مبدع ومستهلك معاً للمنتج الإبداعي إلى مجرد متلقٍ لما تقدمه له التكنولوجيا، مؤكداً أن العقل البشري سيظل وحده القادر على تقديم منتج إبداعي يحقق الدهشة.
ويرفض الجنيدي باعتباره صاحب دار نشر أي نصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي قائلاً: هذه بالنسبة لي أخلاقيات تحكم العمل وتتوخى تقدير الإنسان الذي خاض رحلة الإبداع ليقدم نصاً ينتمي إلى روحه.