من الأمس إلى اليوم؛ أهازيج الصيادين على مراكبهم التي مخرت العباب، والمخطوطات التي تحكي حكايات التاريخ، إيقاعات الفنون، ألوان الملابس التراثية.
هنا عُمان الحاضرة دائماً في وجدان محيطها الخليجي، ضيف شرف الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة للكتاب.
ويستوحي الجناح العُماني، تصميمه من التاريخ البحري للسلطنة، مستحضراً الرحلات التي خاضها البحارة العُمانيون عبر القرون، ليجعل من الأمواج المتلاطمة مدخلاً إلى اكتشاف ثراء وتنوع روافد الثقافة العُمانية، عبر مجموعة من المفردات التي تجمع بين المخطوطات النادرة والشخصيات العلمية والأدبية، وعناصر التراث الإنساني المسجلة لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة لإحياء تفاصيل الحياة العُمانية وتعريف الأجيال الجديدة بها.
وأكد خلفان بن محمد العبري، مدير دائرة شؤون معارض الكتاب بوزارة الثقافة والرياضة والشباب العمانية، أن وجود السلطنة ضيف شرف في معرض الشارقة الدولي للكتاب تمثل محطة مهمة لتعزيز العلاقات الثقافية الثنائية بين الإمارات وعُمان، لإبراز ما يجمع البلدين من روابط تاريخية وحضارية وإنسانية عميقة.
وتتصدر المخطوطات المشهد داخل الجناح، بوصفها شواهد حية على تاريخ طويل من التأليف والبحث العلمي وتداول المعرفة، ويضم الجناح ركناً يستعرض مجموعة من نوادر مخطوطات وزارة الثقافة والرياضة والشباب، من بينها مخطوط عُماني يعود تاريخه إلى نحو 900 عام، إلى جانب مؤلفات في علوم الفلك والتاريخ واللغة وغيرها من مجالات المعرفة.
وأوضح العبري أن تخصيص مساحة للمخطوطات يستهدف إبراز الإسهامات العلمية والفكرية للعُمانيين عبر العصور، وتعريف الجمهور بما تمتلكه السلطنة من رصيد معرفي غني.
ويخصص الجناح مساحة للتعريف بالشخصيات الثقافية العُمانية التي تركت بصمات في مجالات المعرفة والأدب والفكر والإصلاح، وسُجل عدد منها ضمن البرامج والقوائم المرتبطة باليونسكو.
ويتصدر هذه الأسماء الشيخ نور الدين السالمي، أحد أبرز أعلام الفكر في التاريخ العُماني الحديث، والذي أسهم في إثراء المكتبة العُمانية بمؤلفات تناولت الفقه والعقيدة واللغة والتاريخ، إلى جانب دوره في الحركة العلمية والإصلاحية.
كما يستحضر الجناح سيرة أبي مسلم البهلاني، الشاعر والمصلح العُماني الذي جمع بين الأدب والفكر، وترك إرثاً شعرياً وفكرياً غنياً.
ولا تقتصر الرحلة على المخطوطات والكتب، بل تمتد إلى التراث الثقافي غير المادي الذي يعكس تفاصيل الحياة الاجتماعية والاحتفالات والفنون العُمانية، من خلال عرض مجموعة من العناصر المدرجة في قوائم اليونسكو، ومنها فن البرعة، وفن العازي، وعرضة الخيل والإبل، إلى جانب التعريف بسفينة شباب عُمان وبرنامجها الثقافي.
ويقدم الجناح فن البرعة بوصفه أحد الفنون التقليدية التي تشتهر بها محافظة ظفار، ويجمع بين الأداء الحركي والإيقاعات الموسيقية، فيما يبرز فن العازي باعتباره أحد أشكال التعبير الشعري المرتبطة بالفخر والاعتزاز والقيم الاجتماعية.
أما عرضة الخيل والإبل، فتجسد جانباً من الممارسات التراثية المرتبطة بالفروسية والمهارات التقليدية، في حين تستحضر سفينة شباب عُمان حضور البحر ودوره في التواصل الحضاري مع الشعوب.
ويبرز الجناح جانباً من الروابط البحرية المشتركة التي جمعت أبناء الإمارات وعمان منذ قديم الأزل، عبر الإشارة إلى أسماء نواخذة من الإمارات ورد ذكرهم في كتاب «أسماء النواخذة».
ويحتفي ركن من الجناح بجماليات الخط العربي والزخارف الإسلامية عبر عرض نقوش ومخطوطات عُمانية قديمة، ويبرز الجانب الفني والجمالي للتراث المكتوب.
وأوضح العبري أن هذا الركن يتيح للزوار التعرف على نماذج من الخطوط والزخارف المستوحاة من الموروث العُماني، في تجربة تجمع بين الفن والتاريخ، وتكشف عن العلاقة بين المعرفة المكتوبة والتعبير الجمالي في الثقافة العُمانية.
ويخصص الجناح العُماني مساحة لاستعراض نماذج من الأزياء التقليدية التي تشتهر بها مختلف محافظات السلطنة، ويتيح للزوار التعرف على خصوصية الملابس التقليدية وما تحمله من دلالات اجتماعية وجمالية، إلى جانب ما تتميز به من تطريز وزخارف وتفاصيل تعكس المهارات الحرفية المتوارثة عبر الأجيال.
وفي مزج بين أصالة الموروث وإمكانات التكنولوجيا الحديثة، يوظف الجناح تقنيات الواقع الافتراضي «VR» لتعريف الزوار بمفردات التراث الثقافي غير المادي، وإتاحة تجربة بصرية تستعرض مشاهد من الطبيعة العُمانية وحياة الإنسان العُماني، بما يمنح الجمهور فرصة للتفاعل مع عناصر الثقافة والتراث بأساليب معاصرة.
وكشف العبري عن مشاركة نحو 27 مؤسسة عُمانية في المعرض، تشمل جهات حكومية ومؤسسات مجتمع مدني ودور نشر، بهدف تقديم صورة شاملة عن حركة النشر والإنتاج المعرفي في السلطنة.
وأوضح أن ركن الإصدارات العُمانية يضم مجموعة متنوعة من الكتب والمؤلفات الصادرة عن مؤسسات عدة، من بينها وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ووزارة الإعلام، وهيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، ومركز ذاكرة عُمان، إلى جانب عدد من المؤسسات ودور النشر الخاصة.
ولا يقتصر الحضور العُماني على أروقة الجناح، إذ ترافق المشاركة أجندة ثقافية وفنية تضم 26 فعالية، تشمل ندوات وجلسات حوارية وأمسيات شعرية وعروضاً موسيقية.
كما تحضر المائدة العُمانية ضمن برنامج المطبخ المصاحب للمعرض، لتضيف بعداً آخر إلى التجربة الثقافية، وتتيح للجمهور التعرف على جانب من الموروث الغذائي العُماني، باعتباره أحد عناصر الهوية الاجتماعية والثقافية.


