بعد قرنين على رحيله.. لماذا لا يزال العالم مهووساً بنابليون؟

في الثاني من ديسمبر 1804، كانت كاتدرائية نوتردام في باريس تستعد لمشهد لم يكن ليبدو غريباً في رواية تاريخية شديدة المبالغة، الموسيقى تملأ المكان، والبابا حاضر للمراسم، ونابليون بونابرت يستعد لأن يصبح إمبراطوراً للفرنسيين.

لكن وسط كل هذه العظمة، تنسب الروايات إليه لحظة مختلفة تماماً، فالتفت إلى شقيقه الأكبر جوزيف بونابرت، وقال له بلهجتهما الكورسيكية ما معناه: «ليت أبي يرى ما وصلنا إليه».

وربما تختصر هذه اللحظة جزءاً من اللغز الذي لا يزال يحيط بنابليون حتى اليوم، فهذا الرجل الذي تحوّل إلى إمبراطور وقائد غزت جيوشه أجزاء واسعة من أوروبا، ظل في بعض اللحظات يبدو وكأنه هو نفسه لا يصدق المسافة التي قطعها.

وبعد أكثر من مئتي عام على وفاته، لا يزال العالم بدوره غير قادر على صرف نظره عنه.

حياة تبدو كأنها كُتبت للسينما

القصة تكاد تمتلك كل ما تحتاج إليه الأسطورة: شاب من كورسيكا يصعد بسرعة مذهلة في فرنسا الثورة، يتحول إلى جنرال، ثم يمسك بالسلطة، ويصبح إمبراطوراً، ويهزم جيوشاً أوروبية، ثم يخسر إمبراطوريته وينفى، قبل أن يعود بصورة درامية ويحكم مجدداً، ثم يهزم نهائياً في واترلو وينتهي به المطاف في جزيرة نائية في جنوب الأطلسي.

حتى نابليون نفسه بدا مدركاً للطابع غير المعقول لحياته، وفي منفاه الأخير في سانت هيلينا نُسب إليه قوله: «يا لها من رواية، حياتي!»

وهنا تكمن ربما إحدى الإجابات عن استمرار الهوس به، فنحن لا نتعامل مع مسيرة تاريخية تسير في خط مستقيم، إنما مع قصة صعود وسقوط وعودة ثم سقوط نهائي، وهذا ما يفسر جزئياً لماذا يجد الأدب والسينما والفن في حياته مادة لا تنتهي.

الرجل الذي صنع أسطورته بنفسه

ولم ينتظر نابليون المؤرخين كي يحولوه إلى أسطورة، فقد فهم مبكراً أهمية صورته لدى الفرنسيين، واستخدم الدعاية لتقديم نفسه بطلاً قادراً على إخراج البلاد من الفوضى التي أعقبت الثورة الفرنسية، وبنى علاقة استثنائية مع جنوده.

ويشير المؤرخ ديفيد أ. بيل في مجلة «تايم»، إلى أن نابليون كان قريباً بصورة لافتة من الجنود العاديين، فيمزح معهم ويتحدث إليهم بطريقة ساعدت على صناعة ولاء شخصي له.

أحد أشهر الأمثلة جاء في معركة لودي عام 1796، عندما ساعد في التعامل مع مدفع خلال القتال، ليناديه الجنود بعدها بلقب ارتبط به طويلاً: «العريف الصغير».

لكن قدرته على صناعة الولاء لم تكن مجرد أسطورة اخترعها بنفسه، فبحث للمؤرخ فيليب دواير يشير إلى أن الانتقال من الجمهورية إلى الإمبراطورية عام 1804 لم يكن نتيجة طموح نابليون الشخصي وحده، إنما استند أيضاً إلى دعم داخل النخب السياسية والعسكرية وقطاعات من المجتمع الفرنسي. 

حين وقف أمام البنادق

لعل أكثر مشاهد حياته غرابة وقع بعد سقوطه الأول، فبعد كارثة الحملة الروسية والحروب التي أعقبتها، أُجبر نابليون عام 1814 على التنازل عن العرش ونُفي إلى جزيرة إلبا، وبدا للجميع أن القصة انتهت.

لكن بعد أقل من عام، هرب، ووصل إلى الساحل الفرنسي ومعه نحو ألف جندي، وبدأ يتقدم نحو باريس، وفي طريقه اعترضه فوج تابع للحكومة الفرنسية الجديدة.

وتروي القصة الشهيرة أن نابليون تقدم أمام جنوده وفتح معطفه أمام بنادق القوة المقابلة، متحدياً من يريد قتل إمبراطوره أن يفعل ذلك، ولم يطلق الجنود النار.

وبدلاً من ذلك، انضم قسم منهم إليه، ويشير ديفيد أ. بيل إلى أن المواجهة كانت منظمة جزئياً مسبقاً من خلال اتصالات بين ضباط الطرفين، لكنها ظلت مخاطرة استثنائية، وواصل نابليون طريقه إلى باريس، واستعاد السلطة في واحدة من أكثر العودة السياسية درامية في التاريخ.

الأسطورة لها وجه آخر

نابليون سهل التحويل إلى بطل روائي، فهو غني بالطموح، والانتصارات، والحب، والإمبراطورية، والمنفى، والعودة المستحيلة، ثم الهزيمة.

لكن بمجرد الابتعاد عن الشخصية والنظر إلى نتائج السلطة والحروب، تصبح الحكاية أكثر ظلمة.

فالرجل الذي تبدو حياته مادة مثالية لفيلم مغامرات كان أيضاً حاكماً سلطوياً بالنسبة لـ«تايم»، فتشير المجلة إلى قمعه للحريات السياسية والصحافة واعتقال معارضيه، وإلى الحروب التي ارتبط حكمه بها وأدت إلى سقوط أعداد هائلة من الضحايا.

كما أعاد نابليون العبودية عام 1802 في مستعمرات فرنسية أمكن تطبيق القرار فيها، بعد أن كانت الجمهورية الفرنسية قد ألغتها عام 1794.

قد تكون إجابة السؤال الأساسي أن نابليون ترك لنا أكثر من تاريخ، ترك قصة تكاد تكون مصممة كي تتحول إلى أسطورة، والخط الفاصل بين الاثنين هو ما لا نزال نحاول فهمه حتى اليوم.