من التعبير عن المشاعر إلى تأمل التجارب الإنسانية، ومن صفحات الكتب إلى المنصات الرقمية واللقاءات المباشرة مع الجمهور، تتسع تجربة الكاتبة الإماراتية فاطمة علي البلوشي لتطرح تساؤلات حول وظيفة الكتابة وحدود تأثيرها في حياة الآخرين.
فبعد أربعة إصدارات أدبية، لم تعد تنظر إلى النص باعتباره مساحة شخصية للإفصاح عما يختلج في النفس، وإنما بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز صاحبها، وقد يجد فيها القارئ ما يشبه حكايته، أو ما يعينه على فهم شعور عجز عن التعبير عنه.
وتستعد البلوشي لإصدار كتابها الخامس «يكفي أن الله يدري»، الذي تتجه فيه نحو استكشاف البعد الإيماني وعلاقته بالسكينة الإنسانية، امتداداً لتجربة تتقاطع فيها التأملات الوجدانية مع أسئلة الحياة اليومية، وهي تؤكد في حوارها مع «البيان»، أن الكتابة لا تستمد قيمتها بالضرورة من قدرتها على إحداث تحول جذري في حياة الإنسان، فقد تكفي كلمات قليلة لتخفيف وطأة تجربة قاسية..!
تستعيد البلوشي بداياتها مع الكتابة بوصفها وسيلة للتعبير عن مشاعر يصعب الإفصاح عنها بالكلام، قبل أن يكشف لها تفاعل القراء ورسائلهم عن قدرة النص على تجاوز التجربة الشخصية، ليصبح جزءاً من حكايات الآخرين، وتوضح أن هذه العلاقة أسهمت في نضج نظرتها إلى مسؤولية الكلمة، وجعلتها أكثر اهتماماً بالأثر الذي تتركه في نفس القارئ، وبما يمكن أن تمنحه من مواساة أو منظور مختلف للحياة.
وفي مؤلفاتها التي تتناول العلاقات والفقد والانتظار والأمل، لا ترى حدوداً صارمة بين الأدب والكتابة الملهمة، لكنها تحرص على ألا يتحول النص إلى خطاب وعظي مباشر، فعندما تتناول الانتظار - مثلاً - تفضل الاقتراب من مشاعر الخوف والتردد والتساؤل التي ترافقه، عوضاً عن الاكتفاء بالدعوة إلى الصبر، وتؤكد أهمية ترك مساحة للقارئ كي يستنتج المعنى بنفسه، وتقول: «الكتابة الجميلة بالنسبة لي هي التي تستطيع أن تلامس المشاعر دون مبالغة، وأن تمنح الأمل دون أن تتجاهل صعوبة الحياة».
حكايات الحياة
تستمد البلوشي موضوعاتها من المواقف اليومية والأحاديث العابرة وحكايات الآخرين، إلى جانب تجاربها الشخصية التي تعيد تشكيلها بالخيال والتأمل، وترى أن المشاعر الإنسانية تتشابه رغم اختلاف الظروف، وأن تجربة شخص آخر قد تفتح أمام الكاتب مساحة جديدة للتعبير. وتعكس عناوين إصداراتها «مشاعر قلم» و«لحظة وشعور» و«حين يختارك القدر» و«بشكل مفاجئ» مراحل مختلفة من علاقتها بالكتابة والحياة، إذ يحمل كل كتاب أفكاراً وتساؤلات ارتبطت بالفترة التي كُتب فيها.
ولا تعتبر المنصات الرقمية منافساً حتمياً للكتاب، رغم تأثير المحتوى السريع في عادات القراءة، إذ ترى أن العبارة القصيرة قد تقود المتلقي إلى اكتشاف مؤلفات الكاتب والتعمق في تجربته، وتقول: «المنصات تمنحنا سرعة الوصول إلى الناس، بينما يمنحنا الكتاب فرصة البقاء معهم وقتاً أطول»، مؤكدة أهمية توظيف هذه الوسائل لتشجيع القراءة بدلاً من أن تصبح بديلاً عنها.
مسارات متكاملة
وامتدت تجربة فاطمة إلى التدريب في تطوير الذات والتحدث أمام الجمهور وصناعة المحتوى، وهي مجالات ترى أنها تتكامل مع الكتابة وتمنحها مصادر متجددة للإلهام، فاللقاءات المباشرة تتيح لها الاستماع إلى تجارب الآخرين، وقد يدفعها سؤال من أحد الحضور إلى إعادة النظر في فكرة تناولتها سابقاً من زاوية واحدة.
كما تسعى إلى توسيع حضورها عبر الشراكات مع المؤسسات والمبادرات الثقافية والمجتمعية، والمشاركة في الفعاليات والبودكاست، معتبرة أن تعدد وسائل التواصل يمنح الأفكار فرصاً مختلفة للوصول إلى الجمهور، ويجعل العلاقة معه قائمة على التفاعل والتعلم المتبادل.
وفي إصدارها المرتقب «يكفي أن الله يدري»، تتجه البلوشي نحو استكشاف علاقة الإنسان بربه، وما يمنحه القرب من الله تعالى من قوة وطمأنينة في مواجهة المواقف الصعبة والغامضة، وتوضح أن فكرة الكتاب رافقتها فترة قبل أن تتحول إلى مشروع أدبي، وتصفه بأنه يحمل رؤية أكثر هدوءاً وعمقاً من أعمالها السابقة، ويتناول مشاعر قد يعجز الإنسان أحياناً عن التعبير عنها.
أسئلة مفتوحة
وتتطلع البلوشي مستقبلاً إلى استكشاف مساحات أوسع في السرد والحكايات الإنسانية، وتجريب أساليب أدبية جديدة، إلى جانب مواصلة حضورها الثقافي والمجتمعي، وتعتز بهويتها الإماراتية وبما أتاحه الوطن للمرأة من فرص للتعلم والإبداع، آملة أن تشجع تجربتها أصحاب المواهب المترددين في اتخاذ خطواتهم الأولى، ورغم تعدد إصداراتها وتجاربها، يظل سؤالها مفتوحاً: «هل نكتب لأننا فهمنا الحياة، أم لأننا ما زلنا نحاول فهمها؟»، وهو سؤال يعكس قناعتها بأن الكتابة لا تمنح صاحبها الإجابات دائماً، لكنها تفتح أمامه آفاقاً جديدة للتأمل، فيما يبقى طموحها متجاوزاً عدد الكتب والإنجازات إلى ترك أثر إنساني طيب يمتد إلى حياة الآخرين.


