يسلّم الكاتب مخطوطه إلى دار النشر وهو يحمل بين طياته سنوات من القلق والجهد، وقبساً كبيراً من الثقة، متطلعاً إلى اليوم الذي يرى فيه مولوده الأدبي يزين رفوف المكتبات ويصافح أيدي القراء.
ويأتي ذلك اليوم بالفعل، غير أنه لا يحمل معه الطمأنينة دائماً، بل يفتح الباب أمام حزمة من الأسئلة المؤجلة؛ إذ كثيراً ما يجهل المؤلف كم نسخة طُبعت من أثره الفني، وكم بيع منها، وإلى أي الآفاق وصل توزيعه، وما هي المساحات الجغرافية أو الفكرية التي تخلّى عنها يوم وقّع العقد في لحظة حماس غامرة.
فالعلاقة بين الطرفين أوسع من مجرد عملية ميكانيكية للطباعة، فهي تتقاطع مع التحرير، والتوزيع، والتسويق، وحقوق الاستغلال المالي والفكري، وهي علاقة ازدادت تعقيداً وتشعباً في العصر الرقمي مع تعدد وسائط النشر.
وفي هذا التحقيق، يفتح كتّاب إماراتيون دفاتر تجاربهم مع دور النشر، ليرسموا خريطة متباينة تتبدل فيها أولويات الكاتب في اختيار الناشر بين عتبة كتابه الأول وما يليه من نضج، فصاحب المخطوط البكر ينشغل غالباً بفرصة القبول وكلفة الإنتاج، ثم يتجه اهتمامه مع تراكم الخبرة إلى جودة الخدمات، واتساع رقعة حضور الدار، وقدرتها على مرافقة الكتاب في رحلته بعد الصدور.
بوصلة الاختيار
تستعيد الكاتبة مريم المرزوقي بداياتها حين كانت تبحث عن دار تقبل روايتها الأولى، في وقت لم تكن تملك فيه خبرة كافية بأسرار هذه الصناعة، فكانت تقارن بين الدور في الأسعار، ونسب الأرباح، وثقل الحضور في المعارض والمكتبات، متأملة سمعة الدار وأسماء المبدعين الملتفين حولها.
ورغم أن خياراتها ضاقت بسبب تأخرها في تقديم المخطوط وإغلاق أبواب استقبال الأعمال في دور عدة، إلا أنها خرجت من التجربة بمعرفة أعمق بالوسط الثقافي، وصارت اليوم أكثر قدرة على فرض شروطها وإدارة بوصلة اتفاقياتها الجديدة.
أما الكاتب هزاع أبو الريش، الذي يحمل في رصيده أكثر من خمسة عشر مؤلفاً أدبياً، فيضع «تقدير الناشر للمؤلف» فوق أي اعتبار تجاري، ويرى أن اهتمام الدار بإصدارات الكاتب، وإبرازها في المحافل الثقافية الكبرى، يمنح المبدع شعوراً بالانتماء والاستقرار المهني.
وهو لا يضع المردود المالي في مقدمة أولوياته، بقدر ما يعنيه أن يبلغ الكتاب أوسع شريحة من القراء من خلال إنتاج وترويج احترافي، خصوصاً حين تتحمل الدار تكاليف الإصدار كاملة، ويميل أبو الريش إلى جمع أعمال الكاتب تحت سقف دار واحدة لتسهيل وصول القارئ إليها، وذلك لتحقيق الحضور الذي ينشده المبدع.
من زاوية أخرى، تنطلق الكاتبة نوف سليمان الحضرمي من معيار تحريري بحت، إذ ترى أن سلاسة تقديم المخطوط، وسرعة الرد، والاحترافية في تقديم الملاحظات النقدية حول مواطن القوة والضعف في النص، هي حجر الأساس، لكنها تحذّر من الانخداع بانخفاض التكلفة أو بساطة الإجراءات، إذ اكتشفت عبر التجربة أن الخدمات تتفاوت بشكل حاد، فبعض الدور لا يوفر تدقيقاً لغوياً أو تحريراً أدبياً أصلاً، وبعضها يدرج هذه الخدمات في شعاراته دون إسنادها إلى متخصصين مؤهلين.
وهكذا، يتشكل اختيار الناشر من توقعات المؤلف حول القيمة المضافة التي ستقدمها الدار لعمله، وحين لا تُحدَّد هذه الخدمات بدقة منذ البداية، تتسع الفجوة بين المتوقع والمتحقق، لتصبح مصدراً دائماً للتوتر.
شرخ الثقة
إذا كانت معايير الاختيار تكشف ما ينتظره الكاتب، فإن طريقة تعاطيه مع العقد تكشف مدى وعيه بالالتزامات المتبادلة، وهنا تحديداً تتباعد المسارات، ومن هذه الزاوية تؤكد مريم المرزوقي أنها قرأت عقدها كاملاً قبل التوقيع، وكانت حدود الالتزامات واضحة أمامها، لكنها ترى اليوم أن بعض البنود كانت تستحق نقاشاً وتفاوضاً أطول، لا سيما تلك المتعلقة بآليات التسويق والتوزيع وانتظام كشوف المبيعات الدورية.
في المقابل، يعترف هزاع أبو الريش بأنه لا يقرأ العقود كاملة في كل مرة، مستنداً إلى «الثقة» التي تولد من العلاقات الإنسانية والتواصل المباشر مع أصحاب الدور، ويطمئنه أن يرى الناشر شغوفاً بالمخطوط ومتابعاً لتفاصيله، مستدركاً أن العقد يظل هو المرجعية القانونية، وأن سلوك الناشر منذ اللحظة الأولى يكشف ما إذا كان مدفوعاً بالقيمة الإبداعية للعمل أم بالعائد المادي المجرد.
وعلى النقيض تماماً، تتبنى نوف الحضرمي خياراً صارماً، إذ لا توقّع عقداً قبل أن يمر على مشرط المراجعة القانونية من قِبل محامٍ متخصص، رغبة منها في طرد الغموض الذي يكتنف بعض البنود.
وتجمع الآراء المهنية على أن فهم البنود الجوهرية قبل التوقيع هو خط الدفاع الأول عن مصالح الطرفين، ولا سيما الوعي بنطاق الحقوق الممنوحة للناشر، ومدة التعاقد، وآلية احتساب العوائد، وشروط استرداد المخطوط، وتنصح الحضرمي الكتّاب بالتأني وطلب تفسير كل نص ملتبس والتحقق من موثوقية الناشر تاريخياً، إذ تعكس هذه الطرائق الثلاث تفاوت وعي الكتّاب بمستقبل أعمالهم، وتوضح أن الصياغات المكتوبة قد تخفي في طياتها آثاراً ممتدة لسنوات.
التشريع والناشر
وتشير المحامية والمستشارة القانونية عائشة الظاهري -مؤسِّسة مكتب عائشة الظاهري للمحاماة والاستشارات القانونية- إلى أن عقد النشر ليس مجرد إذن بطباعة مصنف أدبي، بل هو وثيقة قانونية تحدد بدقة نطاق استغلال المصنف ومسؤوليات كل طرف، وتوضح أن هذه العلاقة تخضع في دولة الإمارات لأحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 38 لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
وتنصح الظاهري المؤلفين بالتحقق من طبيعة الحقوق الممنوحة استناداً للمادة التاسعة من القانون، التي تشترط أن يكون التصرف في الحقوق المالية مكتوباً ومحدداً، فكل حق لم يتصرف فيه المؤلف صراحة يظل ملكاً خالصاً له، وبناءً على ذلك، فإن منح الدار حق إصدار نسخة ورقية بالعربية لا يعني تلقائياً منحها حق الترجمة أو النشر الرقمي أو الصوتي ما لم ينص العقد على ذلك بعبارات صريحة.
وهذا التأصيل القانوني يلتقي مع الممارسة المهنية لبعض الدور، إذ ترى لينة شبارو، مديرة الحقوق في الدار العربية للعلوم ناشرون، أن الفصل الدقيق بين منصات الاستغلال هو الممارسة الفضلى، حيث تؤكد أن تأسيس وتنظيم حقوق النشر الرقمي، والكتب الصوتية، وحقوق الترجمة أو الترخيص للغات أخرى بصورة مستقلة وواضحة في العقد هو الخيار الأفضل؛ كون هذه الحقوق قد تُمنح للناشر أو تبقى لدى المؤلف وفق الاتفاق، ويعتمد مقابلها المالي ومدتها على طبيعة الحق الممنوح، وحجم الاستثمار المطلوب، والفرص التجارية المتوقعة منه.
وهو ما يؤكده أيضاً سعيد محمد سعيد، المؤسس والمدير التنفيذي لدار البيان العربي، مشيراً إلى أن الحصول على حق إصدار الكتاب لا يمنح الناشر صكاً مطلقاً للاستثمار الشامل، ولذلك تعتمد الدار عقوداً مفصلة تتغير بتغير طبيعة المشروع وأشكال النشر المرتبطة به، بما يضمن صيانة حقوق الملكية الفكرية والتجارية بدقة تتيح وضوح الرؤية الاستثمارية لكل من الطرفين.
ضبابية الأرقام
ورغم التقارب النظري بين القانون وممارسات الناشرين، إلا أن الواقع العملي يكشف عن فجوة عميقة تصدم المؤلفين عند الحديث عن «حركة المبيعات»، ويرى الكاتب إصداره حاضراً في المعارض والمحافل، ويلمس تفاعل القراء، لكنه يقف عاجزاً عن معرفة عدد النسخ التي غادرت المخازن أو تلك التي بقيت حبيسة الرفوف، وتستوجب النزاهة المهنية تمكين المؤلف من الاطلاع على حركة كتابه عبر كشوفات دورية للمبيعات تلتزم بها الدور الاحترافية وفق ما ينص عليه العقد، بحيث تتضمن تفاصيل أعداد النسخ المباعة، والعوائد المالية المستحقة، ومعلومات عن المرتجع بحسب النظام المتبع لدى كل دار، بالإضافة إلى إبلاغه بوضوح فور اتخاذ أي قرار يتعلق بإعادة الطباعة.
نماذج.. ومفارقة
وفي سياق هذه المعاناة، تقول مريم المرزوقي إنها لم تتسلم كشفاً تفصيلياً بمبيعات كتابها، واكتفت بتقديرات شفهية تقريبية بذريعة أن إعداد الكشوف يتطلب وقتاً طويلاً، ما جعل هذه المسألة شرطاً أساسياً لها في أي تعامل مستقبلي، أما نوف سليمان الحضرمي فتذهب إلى منطقة أكثر مرارة، إذ تؤكد أنها لم تتلقَ عن كتبها الاثني عشر كشوف مبيعات واضحة أو مستحقات مالية، رغم يقينها بنفاد طبعات عدد منها، وترى أن الشفافية المالية حق أصيل لا يكتمل بمعرفة أرقام الطبعات دون بيانات حقيقية عن المبيعات الفعلية والمرتجع والعوائد المترتبة عليها.
وهذه المفارقة يضيئها هزاع أبو الريش الذي يرى أن بعض الدور قد تستغل حرج الكاتب أو ترفُعه عن الحديث في المسائل المالية، لتستمر في إعادة طباعة الكتاب وبيعه دون إطلاعه على حركة النسخ.
وفي المقابل، يقدم سعيد محمد سعيد نموذجاً مغايراً، مشيراً إلى أن عقود دار البيان العربي تلزمها بتقديم تقارير دورية كل ستة أشهر تُحول على أثرها المستحقات مباشرة إلى الحسابات البنكية للمؤلفين، مستشهداً بتقارير والتزامات مالية جرت في مايو 2026 عن فترة النشر السابقة، مؤكداً أن قرار إعادة الطباعة يجب أن يكون شورى بين الدار والمؤلف وفق الجدوى الاقتصادية، كما توافق لينة شبارو على أن الكشف الدوري والشفاف حق أصيل للمؤلف تلتزم به الدور الاحترافية، فضلاً عن إبلاغ الكاتب عند اتخاذ قرار بإعادة الطباعة.
بين الصناديق المغلقة والتسويق الذاتي
ترتبط الشفافية المالية بحركية التوزيع ارتباطاً وثيقاً، وينعكس ذلك على الصعيد الجغرافي، إذ يُحدَّد نطاق التوزيع في عقد النشر من خلال منح الناشر حق توزيع الكتاب في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما تشمل الدول العربية كافة أو أسواقاً محددة بحسب الاتفاق، وتوضح لينة شبارو أنه من حق المؤلف التقصي عن شبكة التوزيع والمعارض والمكتبات التي يشارك فيها كتابه، وتزويده بالمعلومات المتاحة حول انتشاره في الأسواق المختلفة، فخروج الكتاب من المطبعة لا يضمن وصوله إلى وعي القارئ إذا تعثرت قنوات توزيعه.
وتروي نوف سليمان الحضرمي بحسرة كيف فوجئت في بعض تجاربها بأن كتبها بقيت منسية داخل صناديقها في المعارض دون أن تجد طريقاً لطاولات العرض، ما دفعها لأخذ زِمام المبادرة ومتابعة منافذ التوزيع والمنصات الرقمية بنفسها، والتحقق من قيد إصداراتها في المنصات المتخصصة، مؤكدة أن مسؤولية الناشر تستمر وتمتد عبر حملات تسويقية واضحة المعالم.
وهذا الاضطرار للتسويق الذاتي عاشته أيضاً مريم المرزوقي، التي استغلت منصة «إنستغرام» لتصنع جسراً مباشراً مع قرائها، وتتواصل مع المكتبات لضمان توفر كتابها، محققة بجهدها الخاص نتائج عجزت عنها الدار المقصرة، وفي سياق متصل، يعتبر هزاع أبو الريش أن حضور الكتاب في المحافل الثقافية وسهولة اقتنائه هما المؤشر الحقيقي على احترافية الناشر.
وفي إطار رصد الدورة الإنتاجية، يستعرض سعيد محمد سعيد جدولاً زمنياً تقديرياً يمتد لـ 52 يوماً تعتمده دار البيان العربي لإنجاز المخطوط مروراً بالتحرير والتصميم والموافقات الرسمية وصولاً إلى الطباعة والتوزيع، مؤكداً على فلسفة أن «الناشر هو وسيط صالح بين الكاتب والقارئ»، وأن الطباعة ليست سوى عتبة أولى في حياة الكتاب الثقافية.
ضياع البوصلة القرائية
تتسع المسؤولية لتشمل الصورة البصرية والفكرية التي يُقدم بها الكتاب، إذ إن أخطاء التصنيف وفقدان الكلمات المفتاحية الدقيقة قد يدفنان عملاً إبداعياً في الرف الخطأ، وتشتكي نوف الحضرمي من أن بعض كتبها حُبست في تصنيفات وفئات عمرية لا تتسق مع هويتها الأدبية ومحتواها العميق، نتيجة غياب الرؤية التسويقية المشتركة بين المؤلف والناشر، بينما يرى هزاع أبو الريش أن الكثير من الدور باتت تمتلك خبرات متراكمة في الإخراج والتصنيف بفضل الحوار المستمر مع المبدعين، ويؤكد سعيد محمد سعيد أن عملية التصنيف الدقيق في دار البيان العربي تخضع لثلاثية (المؤلف، المحرر، وفريق التسويق) لتقريب الكتاب من جمهوره المستهدف في الفضاءين الواقعي والرقمي، مع بقاء القرار النهائي للناشر المبني على خبرة السوق.
كيف يسترد الكاتب نبضه الأسير؟
تتجلى القيمة الحقيقية لبنود العقد عند نقطة النهاية، حين يتوقف التوزيع، أو لا يحقق الكتاب مبيعات كافية، أو ينتهي أمد الاتفاق، ويرغب الكاتب في فك الارتباط واسترداد حقوقه ليتمكن من نشر عمله لدى جهة أخرى، وهنا تبين لينة شبارو أن عودة الحقوق واسترداد الكاتب لعمله محكومة تماماً بالشروط التعاقدية، حيث تتضمن العقود الرصينة بنوداً واضحة تنظم استعادة المؤلف لحقوقه عند انتهاء مدة العقد، أو في حال توقف استغلال العمل لفترة محددة، أو إذا أصبح الكتاب غير متوفر في الأسواق وفق التعريف الصريح الوارد في الاتفاق، داعية المبدعين الجدد لعدم التوقيع دون فهم شروط الفسخ والآثار المترتبة عليها.
ومن المنظور القانوني، توضح المستشارة عائشة الظاهري أن توقف التوزيع لا يعني الفسخ التلقائي للعقد، بل يستوجب العودة للمستندات والرسائل الرسمية، وتوصي المؤلف الذي يواجه جداراً من الغموض بأن يخاطب الدار رسمياً لمطالبتها بكشف حساب شامل (للمطبوع، والمباع، والمخزون)، وفي حال الامتناع، يتم توجيه إنذار قانوني يمهد للجوء إلى القضاء، وتشير الظاهري إلى أن تنفيذ العقود يجب أن يقوم على حُسن النية، وأن أي تجاوز من الناشر لنطاق الحقوق الممنوحة له قد ينقله من دائرة الإخلال المدني إلى دائرة المسؤولية عن الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية، مع إمكانية اللجوء للقضاء المستعجل لحماية المصنف.









