أبناء الجاليات ينافسون الناطقين بالعربية في إتقانها ويتحدون إغراءات التكنولوجيا بالقراءة

لم تمنع الغربة أبناء الجاليات من التمسك باللغة العربية، ولم تنجح إغراءات الألعاب الإلكترونية والتكنولوجيا في إبعادهم عن الكتاب، بل تحول بعضهم إلى نماذج لافتة في إتقان العربية، ربما تفوقت على بعض الناطقين بها، في مشهد يجسده 35 طالباً من أكثر من 30 دولة يخضعون للتحكيم في الموسم العاشر لتحدي القراءة العربي، ويكشف حجم التأثير الذي أحدثه المشروع وقدرته على تحويل القراءة إلى شغف يتجاوز حدود اللغة والجغرافيا.

انتصار القراءة

أكدت ساجدة البشير، رئيسة لجنة التحكيم في تحدي القراءة العربي للموسم العاشر، في تصريحات لـ«البيان»، أن ما يقدمه أبناء الجاليات العربية وغير العربية المشاركون في التحدي يمثل مشهداً استثنائياً يبعث على الفخر والاعتزاز، بعدما نجح أطفال ومراهقون يعيشون في بلاد الغربة في الحفاظ على ارتباطهم باللغة العربية، واختاروا الكتاب رفيقاً لهم في مرحلة عمرية تتزايد فيها جاذبية الألعاب الإلكترونية والتكنولوجيا الحديثة.

وقالت إن رؤية أطفال وفتيات وفتيان في سن المراهقة يتحدثون باللغة العربية السليمة، ويناقشون بثقة، ويعبرون عن أفكارهم بوضوح، ويقدمون أنفسهم باعتزاز بوصفهم قراءً، تمثل واحدة من أجمل ثمار المبادرة، وتعكس نجاحها في بناء علاقة حقيقية بين الأجيال الجديدة والكتاب، حتى خارج حدود المجتمعات العربية.

وأضافت أن هؤلاء المشاركين تعاملوا مع تحدي القراءة العربي باعتباره تحدياً حقيقياً يستحق المثابرة والاجتهاد، فلم تمنعهم الغربة من المشاركة، ولم تثنهم اختلافات البيئات الثقافية واللغوية عن الإقبال على القراءة باللغة العربية، بل أظهروا إصراراً على تنمية معارفهم وتطوير قدراتهم اللغوية.

وأوضحت البشير أن أكثر ما يلفت الانتباه هو أن هؤلاء الأطفال والمراهقين لم ينساقوا خلف الألعاب الإلكترونية والتكنولوجيا، وإنما جعلوا من الكتاب خير جليس لهم، وهو ما يعكس تحول القراءة من نشاط مرتبط بالمسابقات إلى ممارسة معرفية تسهم في تشكيل شخصياتهم وتوسيع مداركهم.

وأكدت أن القيمة الحقيقية للمشاركة لا تكمن فقط في قراءة الكتب، وإنما في قدرة الطلبة على مناقشة ما يقرؤونه، والتعبير عن آرائهم، واستخدام اللغة العربية بصورة سليمة، مشيرة إلى أن اعتزاز المشاركين بوصف أنفسهم بأنهم قراء يجسد روح تحدي القراءة العربي وأهدافه.

وقالت إن مشاهدة هذه النماذج من أبناء الجاليات «تثلج الصدر وتضفي لمسة ساحرة على تحدي القراءة العربي»، مؤكدة أن أجمل ما في المبادرة هو أن يتحول الكتاب إلى رفيق للأجيال الجديدة، وأن تصبح القراءة جزءاً من اهتماماتهم اليومية، رغم إقامتهم بعيداً عن أوطانهم.

تفوق لغوي

من جانبه، كشف الدكتور فوزي وليد العك، الموجه الاختصاصي لمادة اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم، والمحكم الدولي في مشروع تحدي القراءة العربي، لـ«البيان»، أن بعض أبناء الجاليات غير الناطقين باللغة العربية أظهروا مستويات متقدمة في تعلمها وإتقان مهاراتها، ربما تفوقوا بها على بعض الناطقين بالعربية أنفسهم، في مؤشر لافت يعكس حجم الشغف الذي أحدثه المشروع لدى المشاركين من مختلف الجنسيات والثقافات.

وأوضح أن لجنة التحكيم المخصصة لفئة أبناء الجاليات، التي تضم ثلاثة محكمين، تتولى اليوم تقييم 35 طالباً من أكثر من 30 دولة تقريباً، مشيراً إلى أن هذه الفئة تتميز بإقبال استثنائي على تعلم اللغة العربية، ورغبة حقيقية في اكتساب مهاراتها والتعمق في مفرداتها ومعانيها.

وقال إن أبناء الجاليات يتميزون بحب لافت للغة العربية، وكأنهم وجدوا فيها شغفاً يلامس مشاعرهم، مؤكداً أن بعض المشاركين وصلوا إلى مستويات متقدمة في تعلم اللغة، تجعلهم قادرين على منافسة الناطقين بها، وربما التفوق على بعضهم في مستوى إتقانها.

وأضاف أن هذا التطور يعكس نجاح تحدي القراءة العربي في تجاوز الحواجز اللغوية والجغرافية، وتحويل اللغة العربية إلى مساحة مشتركة للتنافس المعرفي والثقافي بين أبناء دول متعددة، بعدما أصبح تعلمها واكتساب مهاراتها هدفاً يسعى إليه مشاركون من خلفيات ثقافية ولغوية مختلفة.

عشر سنوات

وأشار العك، الذي يشارك في تحكيم تحدي القراءة العربي منذ انطلاقته قبل عشر سنوات، إلى أن تجربته الممتدة مع المشروع أتاحت له متابعة التحولات الكبيرة التي طرأت على مستويات المشاركين، ولا سيما أبناء الجاليات، الذين أصبحوا يقدمون نماذج متميزة في حب اللغة العربية والإقبال على تعلمها.

وأرجع هذا الإقبال المتنامي إلى الدور الذي يؤديه تحدي القراءة العربي في نشر ثقافة القراءة وتعزيز حضور اللغة العربية، مؤكداً أن المشروع أسهم بدرجة كبيرة في تشجيع أبناء الجاليات على تعلم العربية واكتساب مهاراتها، ولم يعد تأثيره مقتصراً على الطلبة الناطقين بها.

ووصف تحدي القراءة العربي بأنه مشروع غير مسبوق في تأثيره واتساع نطاقه، مشيراً إلى أن الحديث عن إنجازاته يحتاج إلى ساعات طويلة، نظراً لما أحدثه من تحول في علاقة الأجيال الجديدة بالكتاب والمعرفة.

وأكد أن المشروع استطاع تغيير المفهوم التقليدي للقراءة لدى الشباب في الوطن العربي، بعدما كانت لدى البعض نشاطاً مرتبطاً بالمسابقات أو الحصول على الجوائز، لتصبح ممارسة معرفية وثقافية تتجاوز حدود المنافسة.

منهج حياة

وشدد العك على أن أبرز ما حققه تحدي القراءة العربي خلال السنوات العشر الماضية يتمثل في تحويل القراءة إلى منهج حياة وثقافة وسلوك يومي لدى الأجيال الجديدة، مؤكداً أن هذا التحول يمثل الإنجاز الحقيقي للمبادرة، وليس مجرد زيادة أعداد المشاركين أو توزيع الجوائز على الفائزين.

وقال إن القراءة لم تعد بالنسبة إلى المشاركين وسيلة للحصول على مكاسب أو جوائز تنتهي بإعلان النتائج، وإنما أصبحت جزءاً من حياتهم واهتماماتهم، وهو ما يعكس نجاح المشروع في ترسيخ ثقافة القراءة وتعزيز ارتباط الشباب بالكتاب.

وأضاف أن الإقبال الكبير على المشاركة يجسد نجاح المبادرة في غرس حب المعرفة في نفوس الطلبة، حتى أصبحوا يقبلون على القراءة بشغف متزايد، واصفاً هذا الإقبال بأنه يشبه «إقبال الظامئ على المورد العذب».

وأكد أن القيمة الحقيقية للمشروع تتجاوز حدود المسابقة، لتشمل بناء أجيال تعتبر القراءة ضرورة معرفية وثقافية، وتتعامل مع اللغة العربية باعتبارها جسراً للتواصل والانفتاح على المعرفة.

واكد أن تحدي القراءة العربي لم ينجح فقط في تشجيع الطلبة على قراءة الكتب، بل استطاع تغيير نظرتهم إلى القراءة نفسها، وجعلها جزءاً من حياتهم اليومية، وهو ما يمنح المشروع قيمة تربوية وثقافية مستدامة تتجاوز المنافسة والجوائز.