من اسكتلندا وبلجيكا إلى دبي.. طفلتان في السادسة تحملان العربية إلى تحدي القراءة

لم تتجاوزا السادسة من عمرهما، لكنهما قطعتا آلاف الكيلومترات من اسكتلندا وبلجيكا إلى دبي، لا بحثاً عن لعبة جديدة أو رحلة ترفيهية، وإنما حباً في القراءة وتمسكاً باللغة العربية التي رافقتهما رغم سنوات الغربة، لتقدما واحدة من القصص الإنسانية اللافتة في تحدي القراءة العربي، الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حيث اجتمعت طفلتان سوريتان غادرتا وطنهما في عمر السنتين، ونشأتا في مجتمعين أوروبيين، لكنهما عادتا إلى فضاء اللغة العربية عبر بوابة القراءة، حاملتين رسالتين أكبر من سنوات عمرهما، الأولى تدعو الأطفال إلى عدم التخلي عن لغة الأم، والثانية تؤكد أن القراءة تنمّي عقل الإنسان وتصنع مستقبله.

الطفلتان ماسة الرفاعي، القادمة من اسكتلندا، ولانا محاميد جبيس، القادمة من بلجيكا، تشتركان في العمر والجذور السورية وحب القراءة، وتختلفان في البلد الذي نشأتا فيه، لكنهما التقتا في دبي على هدف واحد، هو المشاركة في تحدٍّ عربي استطاع أن يصل إلى الأطفال خارج حدود العالم العربي، ويمنحهم فرصة للاحتفاء بلغتهم الأم والتعبير عن ارتباطهم بها.

لغة الأم

بثقة لا تشبه سنوات عمرها الست، تحدثت ماسة الرفاعي عن رحلتها من سوريا إلى بريطانيا، موضحة أنها انتقلت مع أسرتها عندما كان عمرها عامين فقط، وأنها تعيش حالياً في اسكتلندا، حيث نشأت بعيداً عن وطنها الأم، لكنها لم تبتعد عن اللغة العربية التي تحرص على التمسك بها.

وعندما سُئلت عن عدد الكتب التي قرأتها استعداداً للمشاركة في تحدي القراءة العربي، أجابت بعفوية: «قرأت الكثير من الكتب، حتى إنني لا أعرف الرقم»، في إجابة تكشف عن شغفها بالقراءة، التي لم تعد بالنسبة إليها مجرد نشاط مرتبط بالمنافسة، وإنما أصبحت جزءاً من اهتماماتها في هذه المرحلة المبكرة من حياتها.

ولم تكن المفاجأة في عدد الكتب الذي لم تستطع حصره، وإنما في السبب الذي دفعها إلى المشاركة في تحدي القراءة العربي، إذ اختارت أن تتحدث عن مسؤوليتها تجاه الأطفال الآخرين، بدلاً من الحديث عن الفوز أو الحصول على لقب.

وقالت ماسة: «جئت إلى تحدي القراءة لأنني أريد أن أشجع الأطفال الذين هم في عمري على القراءة، وألا يتركوا لغتهم العربية، فهي لغة الأم ولغة أهل القرآن».

وتختصر كلمات ماسة حكاية جيل من الأطفال العرب الذين نشأوا خارج أوطانهم، وأصبحوا يتعاملون يومياً مع لغات أخرى، لكنهم ما زالوا يجدون في العربية رابطاً أساسياً بهويتهم وثقافتهم وجذورهم.

كما تعكس رسالتها وعياً مبكراً بأهمية الحفاظ على اللغة العربية، خصوصاً في المجتمعات غير الناطقة بها، حيث تصبح القراءة إحدى أهم الوسائل التي تساعد الأطفال على الاحتفاظ بمفرداتهم، وتنمية قدرتهم على التعبير، وتعزيز ارتباطهم بلغتهم الأم.

عقل الإنسان

ومن بلجيكا، جاءت الطفلة السورية لانا محاميد جبيس، البالغة من العمر ست سنوات، حاملة شغفاً مماثلاً بالقراءة، بعدما غادرت سوريا وهي في الثانية من عمرها، لتنشأ في مجتمع أوروبي بعيد عن وطنها الأصلي.

ورغم سنوات عمرها القليلة، فإن لانا استطاعت أن تختصر أهمية القراءة في عبارة بسيطة وعميقة، عندما سُئلت عن السبب الذي دفعها للمشاركة في تحدي القراءة العربي، فأجابت بأن القراءة تنمّي عقل الإنسان.

وفي كلماتها القصيرة، قدمت لانا تصوراً مبكراً عن أهمية الكتاب في بناء المعرفة وتنمية التفكير، مؤكدة من خلال مشاركتها أن القراءة ليست نشاطاً يقتصر على الكبار، بل يمكن أن تبدأ منذ السنوات الأولى للطفولة، وتصبح عادة ترافق الإنسان طوال حياته.

وتكتسب مشاركتها أهمية خاصة لكونها نشأت خارج العالم العربي، لكنها اختارت أن تكون حاضرة في مبادرة تحتفي بالكتاب العربي، وتجمع الأطفال من مختلف البلدان حول القراءة والمعرفة.

وتلتقي تجربة لانا مع تجربة ماسة في أن كلتيهما غادرت سوريا في سن مبكرة، وعاشت سنوات طفولتها الأولى في أوروبا، لكنهما وجدتا في تحدي القراءة العربي فرصة للتواصل مع لغتهما الأم، والمشاركة في حدث ثقافي عربي يجمع الأطفال مهما اختلفت بلدان إقامتهم.

رؤية محمد بن راشد

وتجسد مشاركة ماسة ولانا جانباً من الرؤية التي انطلق منها تحدي القراءة العربي، الذي أسسه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بهدف غرس حب القراءة في نفوس الأجيال الجديدة، وتعزيز حضور اللغة العربية في حياة الأطفال والشباب، وإعداد أجيال قادرة على التفكير والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل.

وتبدو هذه الرؤية واضحة في الرسالتين اللتين حملتهما الطفلتان إلى دبي، إذ جاءت ماسة لتشجع الأطفال على عدم التخلي عن لغتهم العربية، بينما جاءت لانا لتؤكد أن القراءة تنمّي العقل، في تعبيرين مختلفين يجتمعان عند جوهر المبادرة، وهو بناء الإنسان بالمعرفة.

كما تعكس قصتاهما قدرة تحدي القراءة العربي على تجاوز الحدود الجغرافية، والوصول إلى الأطفال العرب المقيمين في دول لا تعد العربية لغتها الأساسية، ليصبح جسراً ثقافياً يربط الأجيال الجديدة بلغتها وهويتها، ويمنحها مساحة للتعبير عن طموحاتها وقدراتها.

ولعل حضور طفلتين في السادسة من عمرهما من اسكتلندا وبلجيكا يقدم صورة واضحة عن الأثر الذي يمكن أن تحدثه المبادرات الثقافية في حياة الأطفال، عندما تمنحهم هدفاً يسعون إليه، وتشجعهم على تحويل القراءة إلى ممارسة مستمرة، لا ترتبط بمسابقة أو مناسبة محددة.

هوية لا تغيب

وتسلط قصتا ماسة ولانا الضوء على قضية مهمة تواجه كثيراً من الأسر العربية المقيمة في الخارج، تتمثل في كيفية الحفاظ على اللغة العربية لدى الأطفال الذين ينشأون في مجتمعات تعتمد لغات أخرى في التعليم والتواصل اليومي.

ففي الوقت الذي تصبح فيه اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات الأوروبية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لهؤلاء الأطفال، تبرز أهمية القراءة بالعربية بوصفها وسيلة للحفاظ على الهوية اللغوية، وتنمية المفردات، وتعزيز التواصل مع الثقافة العربية.

وتقدم ماسة نموذجاً لطفلة لم تسمح لنشأتها في اسكتلندا بأن تبعدها عن لغتها الأم، بل اختارت أن تجعل من مشاركتها في تحدي القراءة العربي فرصة لتوجيه رسالة إلى الأطفال الآخرين بضرورة التمسك بالعربية.

أما لانا، فتعكس مشاركتها من بلجيكا جانباً آخر من أهمية القراءة، يتمثل في تنمية قدرات الطفل العقلية والفكرية، وتعزيز شغفه بالتعلم واكتشاف العالم.

وتؤكد التجربتان أن الحفاظ على اللغة العربية خارج الوطن يحتاج إلى جهود متواصلة من الأسرة والمؤسسات التعليمية والمبادرات الثقافية، حتى تبقى اللغة حاضرة في حياة الأطفال، ولا تتحول مع مرور السنوات إلى لغة بعيدة عن اهتماماتهم اليومية.

دبي تجمعهما

وبين اسكتلندا وبلجيكا، كانت دبي نقطة اللقاء التي جمعت الطفلتين تحت مظلة تحدي القراءة العربي، في مشهد يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها الإمارة باعتبارها مركزاً للمبادرات المعرفية والثقافية التي تستقطب المشاركين من مختلف أنحاء العالم.