قبل أكثر من ثمانية قرون، وصلت امرأة إلى قمة السلطة في جورجيا، إلا أن أكثر ما يلفت النظر في قصتها ليس أنها أصبحت ملكة في عالم كان الحكم فيه حكراً إلى حد كبير على الرجال.
الأكثر إثارة هو أن المصادر الجورجية في العصور الوسطى منحت تمار لقب «ميبي» (Mepe)، أي «الملك»، وهو اللقب الذي كان يحمله صاحب السيادة، فيما حكمت البلاد بين عامي 1184 و1213، وهي الفترة التي ارتبطت بذروة العصر الذهبي الجورجي.
لكن اللقب يخفي وراءه بداية أصعب بكثير، فتمار ورثت التاج، لكنها لم ترث معه سلطة مستقرة لا ينازعها عليها أحد، وكانت السنوات الأولى من حياتها السياسية أشبه باختبار طويل لسؤال واحد: من سيحكم فعلياً، المرأة التي تجلس على العرش أم الرجال الأقوياء المحيطون به؟
والدها جورج الثالث أدرك حساسية الخلافة مبكراً، وفي عام 1178، قبل وفاته بست سنوات، توج ابنته شريكة له في الحكم ووريثة للعرش أمام كبار الأرستقراطيين ورجال الدين، وكان بذلك قد أعلن بوضوح هوية من ستخلفه، وعندما توفي عام 1184 أصبحت تمار الحاكم الوحيد لجورجيا.
لكن وفاة الأب غيرت ميزان القوى، فقد طالب النبلاء بأن تتوج تمار مجدداً، واستجابت، ثم طالبوا بإبعاد شخصيات كانت قد وصلت إلى مواقع النفوذ في عهد والدها، واستجابت أيضاً.
وبعد ذلك جاءت محاولة أكثر طموحاً، حين سعى فريق من النبلاء بقيادة Qutlu Arslan إلى الحصول على دور في تعيين المسؤولين وسن القوانين، وهنا قاومت تمار، واعتقلت قائد الحركة قبل أن ينتهي الصراع بتراجع النبلاء مقابل العفو عنهم.
وتصف دراسة للباحثة Lois Huneycutt منشورة ضمن كتاب عن الملكات والحكم لدى Cambridge University Press كيف واجهت تمار معارضة من مؤسسات أرستقراطية وكنسية قبل أن تتمكن من حكم مملكة موحدة شهدت ازدهاراً ثقافياً، وتضع تجربتها إلى جانب تجارب نساء أخريات طالبن بعروش في القرن الثاني عشر، مثل أوراكا ملكة ليون وقشتالة وماتيلدا في إنجلترا وميليسندا في مملكة القدس.
وهذا السياق مهم، لأن تمار لم تكن امرأة وحيدة ظهرت فجأة وسط عالم خال تماماً من الحاكمات، فالقرن الثاني عشر شهد نساء أخريات يطالبن بالسلطة، لكن كل واحدة منهن واجهت بطريقتها مشكلة تحويل حق الوراثة إلى قدرة حقيقية على الحكم.
ثم دخل الزواج إلى القصة، وتحول سريعاً إلى مسألة سياسية، فقد كان على المملكة أن تفكر في وريث، ودفع النبلاء باتجاه زواج تمار من الأمير المنفي يوري بوغوليوبسكي، وتم الزواج عام 1185.
وكان يوري قائداً عسكرياً ناجحاً، إلا أن الزواج انهار، وحصلت تمار في النهاية على فسخه وأُبعد يوري.
بعد رحيل يوري ووفاة رئيس الكنيسة القوي ميكيل ميريانيسدزه، تمكنت تمار من اختيار شخصياتها لشغل مناصب عليا في الدولة، ثم اختارت زوجها الثاني بنفسها، الأمير الأوسي ديفيد سوسلان.
لم تختفِ المشكلة مع انتهاء الزواج الأول، فعاد يوري لاحقاً بدعم من مجموعة من خصومها داخل المملكة، ونُصّب ملكاً من جانب المتمردين في قصر جيغوتي، وأرسلت تمار في البداية مفاوضين، قبل أن تهزم القوات الموالية لها الحركة، ويعود زوجها السابق إلى المنفى، وفي محاولة أخرى لاحقة، هُزم يوري عام 1193 ثم اختفى من السجل التاريخي.
وهذه ربما هي اللحظة التي تبدأ عندها قصتها في التحول، فالمرأة التي اضطرت في بداية عهدها إلى تقديم تنازلات للنبلاء أصبحت في السنوات التالية على رأس دولة توسع نفوذها في القوقاز.
وفي عام 1195، حققت القوات الجورجية بقيادة ديفيد سوسلان انتصاراً في معركة شامكور، ثم هزمت جيش سلاجقة الروم في معركة باسياني عام 1202، ووصلت جورجيا في عهد تمار إلى أكبر امتداد إقليمي لها في العصور الوسطى.
وهكذا اتسعت قصة تمار كثيراً عن السؤال الذي واجهها عند اعتلائها العرش، فلم يعد السؤال مجرد ما إذا كانت امرأة تستطيع أن تحكم، حيث أصبحت جورجيا نفسها قوة إقليمية قادرة على التأثير في التحولات السياسية المحيطة بها.
وفي الداخل، ارتبط حكمها بازدهار ثقافي جعل تلك المرحلة جزءاً أساسياً من الذاكرة التاريخية الجورجية. وتصف مملكتها بأنها موحدة ومزدهرة ثقافياً، فيما ارتبط عهدها لاحقاً بذروة المملكة الجورجية في العصور الوسطى.
لكن القصة لم تنتهِ عام 1213 بوفاة تمار، فبعد قرون، أخذت صورتها تكبر أكثر من حدود سيرتها التاريخية، وتوضح دراسة حديثة عن القداسة والجندر والسلطة في القوقاز أن حضور تمار في الذاكرة الجورجية لا يكاد يضاهيه حضور شخصية تاريخية أخرى هناك، إذ استمرت في التأريخ والكتابات الدينية والشعر والتراث الشعبي والذاكرة الوطنية. كما ارتبط اسمها عبر الزمن بمواقع وكنائس وجسور وآثار في أنحاء جورجيا، حتى في حالات لا يمكن فيها إثبات صلة تاريخية مباشرة بها.
وتمار لم تنتصر فقط في الصراع على السلطة خلال حياتها. الذاكرة اللاحقة أعادت بناء صورتها حتى أصبحت رمزاً لعصر كامل، وأصبح «عصر تمار» طريقة لاستحضار فكرة ذروة القوة والازدهار الجورجي.

