تفتح تجربة الشاعر الإماراتي الدكتور شهاب غانم في قصيدته «غمغمات»، المنشورة ضمن ديوانه «أي فتى»، أفقاً تأملياً فريداً يتجاوز حدود الغنائية التقليدية إلى فضاء الشعر؛ حيث يستهل نصه بمطلع ينساب كالترنيمة على شواطئ الذكرى:
غَداً يا نَسيمَ اللَّيلِ تَأتي ونَسْهَرُ
عَلى الشَّاطِئِ الفِضِّيِّ واللَّيْلُ مُقْمِرُ
ومن البداية، تتشكل ملامح عالم شعري تتداخل فيه الطبيعة مع الذاكرة، ويغدو الشاطئ فضاءً لاستعادة لحظات التأمل في مسارات الزمن، ويمنح استحضار الليل والنسيم النص نبرة هادئة تمهد لرحلة تتسع تدريجياً.
وفي النص، يطوّع الشاعر أدواته لبناء معمار للقصيدة يربط من خلاله بين وجدان المكان والعمق الإنساني الممتد عبر أزمنة التاريخ، ويتخذ من الأساليب الإنشائية محركاً درامياً يضفي على النص تدفقه السردي؛ فالاستفهام في قوله:
أَتَذْكُرُ أُمَّ النَّارِ.. دَلْمُونَ.. بابِلاً
وَكَيْفَ سَمَتْ آشُورُ يَوْماً وَسُومَرُ
يتجاوز التقرير البلاغي المباشر ليجمع حواضر متباعدة في شطر واحد تفصل بينها النقاط المتتابعة، متيحاً للمتلقي مساحة تنفس استرجاعية توازي عمق الذاكرة التاريخية، ويمنح التتابع أسماء الأمكنة حضوراً متجدداً داخل النسيج الشعري، فتتحول إلى محطات في مسار استعادة الماضي واستحضار شواهده الحضارية. وفي مقابل هذا الاستدعاء، يبرز الاستفهام الاستنكاري الممزوج بخصوصية التجربة:
وَهَلْ مِثْلُ كَأْسِ الغانِمِيّينَ في الهَوى
رَحيقٌ يَميدُ القَلْبُ مِنْهُ وَيسْكَرُ
حيث يخلع على اللقب العائلي رمزية وجدانية تجعل الكأس مجازاً للصبابة الفكرية والتألق الشعري الصافي. ويكتسب التعبير خصوصيته من مزج العاطفة بالتجربة الشخصية، فيغدو السؤال وسيلة لتأكيد فرادة الإحساس لا مجرد طلب للإجابة. ولا يتوقف التميز الأسلوبي عند الاستفهام، بل يتجلى في أسلوب النداء المزدوج؛ ففي قوله:
أَتَذْكُرُ يا ماءَ الخَليجِ جَميعَ مَنْ
أَقاموا عَلى تِلْكَ الضَّفافِ وَأَبْحَروا
تندمج أداة النداء داخل سؤال مفصلي، ليتحول عنصر الماء السيَّال إلى حافظة ذاكرة حية تثبت أثر الغواصين والرحالة. وهكذا يتجاوز الخليج حضوره المكاني ليصبح شاهداً على تجارب الإنسان وصلته بالضفاف والرحيل. أما حين ينكفئ الشاعر على الذات الإنسانية أمام حتمية الزمن، فيأتي النداء المفعم بالاسترحام:
حَنانَيْكِ يا دُنْيا إذا خَارَتِ القُوى
وَلَمْ يَبْقَ إلّا ساعَتانِ وَأَقْصَرُ
ليصنع مفارقة تكثف الزمن الدرامي في لحظة أنيقة تتخلى عن الكبرياء اللفظي، ويكتمل هذا المزيج بصيغة الدعاء:
رَعى اللَّهُ أَيّامَ الصَّبابةِ وَالصِّبا
وَأَحْلامَ عُصْفورَيْنِ وَالعودُ أَخْضَرُ
التي تختزل براءة الصبا في شريط بصري خاطف، يستعيد عذوبة البدايات ووهج الأحلام، قبل أن يصل النص إلى أسلوب القصر بالنفي والاستثناء:
وَما هِيَ إلّا غَمْغَماتٌ لِشاعِرٍ
تَشَرَّبَ مُنْذُ الفَجْرِ كَيْفَ يُفَجِّرُ
ويشكل هذا البيت المفتاح التأويلي للنص كاملاً، مظهراً المقابلة بين تواضع الذات الإنسانية في «غَمْغَمات» والقدرة الشعورية الانفجارية الممتدة في «كَيْفَ يُفَجِّرُ»، بما يكشف عن طاقة كامنة وراء الهمس الشعري.
وعلى المستوى الموسيقي، يتضافر الانضباط العروضي ضمن «بحر الطويل» مع التناغم الصوتي الداخلي، ليجعل من القصيدة وثيقة جمالية نجح فيها الدكتور شهاب غانم في تحويل التاريخ والمكان إلى حوار داخلي شفاف، وتحمل قافية الراء المضمومة شحنة موسيقية تموج كأمواج الخليج الهادئة، وتمنح الأبيات امتداداً صوتياً ينسجم مع طبيعة الاستدعاء والتأمل. وهكذا يصوغ الشاعر من الهمس أثراً إبداعياً يوازن بين حميمية التجربة الفردية واتساع الذاكرة الحضارية.



