قبل 400 عام.. فنجان القهوة حير رحالة الغرب

في بطاقة بريدية قديمة، يجلس عدد من الرجال أمام مقهى عثماني، فناجين صغيرة في أيديهم، ونراجيل تمتد خراطيمها بين المقاعد.

وفي اليوم العالمي للقهوة، تبدو هذه البطاقات سجلاً للطريقة التي رآنا بها الغريب حين جلس للمرة الأولى أمام فنجان لم يعرف طعمه، وحاول أن يفهم لماذا يمنح الناس هذا الشراب المر كل ذلك الوقت.

في عام 1609، نشر رجل الدين الإنجليزي وليام بيدولف، الذي عاش في حلب، واحداً من أقدم الأوصاف الإنجليزية لشرب القهوة في المنطقة، لكنه لم يعرف تماماً ما الذي أمامه، فوصفها بأنها شراب يصنع من شيء يشبه البازلاء، وكانت عبارته المرتبكة دليلاً على حداثة القهوة بالنسبة إلى الأوروبيين، لا على غرابة الشراب نفسه.

وبعده بسنوات، كتب الرحالة جورج سانديز عن انتشار شرب القهوة في القسطنطينية، في وقت كانت فيه المقاهي لا تزال غائبة تقريباً عن الحياة الأوروبية، وكان المسافر يعود من الشرق حاملاً وصفاً لشراب أسود ومكان عجيب يجلس فيه الرجال طويلاً، يدخنون ويتحدثون ويستمعون إلى الأخبار.

لكن أكثر الصور تفصيلاً جاءت في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حين عاش المستشرق البريطاني إدوارد وليام لين في القاهرة وتعلم العربية وارتدى الملابس المحلية، ثم سجل ما رآه في كتابه عن عادات المصريين.

قدر لين أن القاهرة كانت تضم أكثر من ألف مقهى، وهو رقم يكشف أن القهوة لم تكن ترفاً هامشياً، إنما جزءاً من إيقاع المدينة، ووصف المقهى بأنه حجرة صغيرة مفتوحة على الشارع، تمتد أمامها مصطبة مغطاة بالحصر، ويجلس عليها الزبائن بعد الظهر وفي المساء.

كان الفنجان يُباع بخمسة «فضة»، وفق وصفه، وتقدم القهوة في أكواب خزفية صغيرة داخل حوامل نحاسية، لكن الناس لم يكونوا يدفعون ثمن الشراب وحده، ففي بعض المقاهي كان الحكواتي يجلس على مقعد مرتفع ويسرد سيرة أبي زيد الهلالي، بينما يحتشد المستمعون في الشارع، بعضهم يحمل غليونه وبعضهم يرتشف قهوته، والجميع يتابعون صوته وحركاته.

كانت تلك المقاهي صحفاً مسموعة ومسارح شعبية ومجالس مفتوحة، يتبادل فيها التجار الأخبار، وتروى فيها الحكايات، وتُعقد الصفقات، وتنتقل الشائعات، حتى إن الشرطة، بحسب لين، كانت ترسل رجالاً للاستماع إلى أحاديث الناس ومراقبة ما يدور بينهم.

غير أن هذه الحياة الواسعة تقلصت حين دخلت إطار البطاقة البريدية، فالسائح لم يكن يريد شرحاً طويلاً عن وظيفة المقهى في المدينة، إنما كان يبحث صورة يستطيع إرسالها إلى بلاده.

وتحفظ مكتبة الكونغرس صورة لداخل مقهى في القاهرة تعود إلى عام 1898، وصوراً أخرى لمقاهٍ في القدس والموصل، كما بقيت بطاقة من نحو عام 1910 تظهر رجالاً جالسين أمام مقهى عثماني في إسطنبول.

ثم انتقلت القهوة إلى أوروبا، وأصبحت مقاهي لندن وباريس توصف بأنها مراكز للأفكار والصحافة والتجارة، مع أن الرحالة كانوا قد شاهدوا قبلها المقاهي العربية تؤدي أدواراً مشابهة، وعندما أصبح الفنجان جزءاً من الحياة الغربية، تراجع ذكر المكان الذي تعلم منه الغرب عادة الجلوس حوله.