«ليالي سينيوليو» في دبي.. جسر على ضفاف الإنسانية


تواصل فعالية «ليالي سينيوليو»، التي يقودها المخرج الإماراتي نواف الجناحي، تحويل صالة العرض السينمائي من مجرد مساحة مظلمة لتلقي الصور إلى مختبر فكري متجدد يحتفي بذائقة الرؤية وعمق المساءلة النقدية؛ إذ تعيد هذه الأمسيات صياغة العلاقة بين الشاشة والمتلقي عبر اختيار نصوص بصرية مشحونة بالأسئلة الفلسفية والإنسانية، ليتجاوز المشهد حدود الترفيه العابر نحو تفكيك شفرات اللغة السينمائية، وقراءة الجماليات التشكيلية والسردية جنباً إلى جنب مع الجمهور والنقاد وصناع الفن.
وتكمن القيمة الحقيقية للفعالية في قدرتها على إعادة الدفء للتجربة الجماعية لمشاهدة السينما، وتأسيس مجتمع ثاقب البصر يرى في «الفن السابع» وثيقة معرفية ورسالة عابرة للحدود وقوة ناعمة قادرة على تشكيل الوعي الجمعي.
ومن هذا المنطلق، طاف برنامج الفعالية بين عوالم أربعة أفلام قصيرة أضاءت أخيراً شاشة الرابطة الفرنسية في دبي، لتجعل من الفن جسراً ينفتح على التجربة الإنسانية الممتدة، حيث التقت حكايات من جغرافيات متباعدة في ليلة سينمائية واحدة، ذابت فيها الفوارق الثقافية لمصلحة صوت الإنسانية الناطق بلغة الصورة.


فانتازيا تاريخية


وافتُتحت الأمسية بالفيلم البرازيلي «Avalons» للمخرج كارلوس إدواردو نوغيرا الذي أخذ الحضور في رحلة سينمائية غارقة في الفنتازيا التاريخية، معيداً تشكيل الرموز الأسطورية المحيطة بـ«أفالون»، التي تعد واحدة من أكثر الجزر الأسطورية حظاً بالغموض في أدبيات القرون الوسطى الغربية.
وعبر جماليات بصرية اعتمدت التباين الحاد في الإضاءة والاعتناء الدقيق بالتفاصيل التاريخية، استعرض العمل صراعات الهوية والروابط الإنسانية المعقدة، مضفياً مناخاً فلسفياً يتأمل التاريخ برؤية مبتكرة.
سوداوية ساخرة
ومن سحر الأساطير، انتقل العرض إلى الواقعية السحرية مع الفيلم الإسباني «The Beetle at the End of the Street» للمخرج خوان فيفيس إي لوزانو، الذي نقل مشاهديه إلى قرية صغيرة في فلنسيا، حيث غزل الفيلم حبكته بسوداوية ساخرة تتبع شخصية «أماديو»، الذي تتنبأ له بائعة أسماك بوفاته خلال سبعة أيام.
ومن خلال هذه الصدمة الزمنية، فكك العمل أوهام السلوك البشري والمجتمعي عند المواجهة المباشرة مع فكرة الفناء، مازجاً الفكاهة بالوجع الإنساني لمناقشة قيم الواجب والأمل في وجه الموت الحتمي.
بين اليقظة والمنام
وانتقلت التظاهرة البصرية بالمشاهدين إلى الفيلم المصري «قبل أن يتلاشى المطر» للمخرج حسن عمار، وهو دراما نفسية مكثفة غاصت في عوالم الصدمة والفقد؛ إذ يحكي الفيلم معاناة أب يعيش في برزخ فاصل بين الواقع القاسي والأحلام المزعجة إثر رحيل ابنته، حيث تتلاشى الحدود تماماً بين اليقظة والمنام.
واستعان العمل بلغة بصرية حميمة وإضاءة خافتة تعكس الضياع الداخلي، ليعبر عن وجع صامت وتجربة إنسانية عالمية تحاكي كيفية التعايش مع الأحزان العميقة.


«النقطة العمياء»


وفي قراءة تصدت لقضايا الذاكرة الوطنية والعدالة التاريخية، أخذ الفيلم التونسي «النقطة العمياء»، للمخرج لطفي عاشور، الجمهور إلى منطقة وجدانية شديدة التأثير. وينتمي هذا العمل الحائز على جوائز دولية إلى السينما الوثائقية.
ويستند الفيلم إلى القصة الحقيقية لاختفاء ومقتل المواطن التونسي «كمال مطماطي» تحت التعذيب في حقبة مظلمة، وما تلاها من محاولات للتعتيم استمرت ثلاثة عقود.
ودمج المخرج الرسوم والتصميم الصوتي بالسرد السريالي ليضيء «النقاط المظلمة» في الذاكرة الجمعية، منتصراً لصوت من حُرموا العدالة، لتختتم «ليالي سينيوليو» أمسيتها بتعزيز قدرة الفيلم القصير على اختزال الوجود الإنساني بأبعاده التاريخية والسياسية والنفسية في دقائق معدودة، وتترك لدى الجمهور انطباعاً عميقاً عن القوة التأثيرية للسينما.