من دبي إلى اليابان في يوم واحد.. «جيبيكس» يجمع الثقافة والترفيه تحت سقف واحد

من مراسم الشاي والخط الياباني والكيمونو، إلى الساموراي والنينجا والأنمي والألعاب.. «البيان» تخوض تجربة «جيبيكس» في مركز دبي التجاري العالمي.

قد يبدو السفر إلى اليابان من دبي رحلة طويلة، لكن داخل «جيبيكس» اختصرت المسافة إلى بضع خطوات، ففي مركز دبي التجاري العالمي، اجتمعت تفاصيل كثيرة يعرفها الجمهور عن اليابان، وأخرى قد يكتشفها للمرة الأولى، من الأنمي والمانغا والألعاب والكوسبلاي، إلى مراسم الشاي والخط الياباني والكِنتسوغي والكيمونو، مروراً بالطعام والعروض الحية وتجارب الساموراي والنينجا.

واللافت أن الفكرة التي تجمع كل هذه العناصر جاءت بأيدٍ إماراتية، إذ يقف وراء المعرض أربعة شباب هم عبدالرحمن البشري، وفيصل مرداس، وحمد النعيمي، وراشد البشري.

وقال عبدالرحمن أحمد البشري، المدير العام لمعرض «جيبيكس»، في حديث حصري لـ«البيان» على هامش المعرض، إن الهدف منذ البداية كان تقديم تجربة متكاملة لا يخرج منها الزائر بالترفيه وحده.

وأوضح: «نريد أن يتعلم الزوار عن الثقافة اليابانية، وأن يخرجوا بذكرى جميلة وتجربة جديدة، ويكونوا قد تعلموا شيئاً جديداً».

ولهذا يحاول المعرض أن يقدم شيئاً لمختلف الأعمار والاهتمامات. فهناك منطقة لعب للأطفال، وورش وتجارب ثقافية، إلى جانب خيارات الماتشا والشاي والقهوة اليابانية، وتجارب الطعام التي تشمل الرامن والغيوزا والسوشي والنيغيري.

ويضم «جيبيكس» كذلك ورشاً لتعليم مراسم الشاي الياباني، والخط، وتجليد الكتب، وارتداء الكيمونو، وفن الكِنتسوغي.

واختصر البشري الفكرة بعبارة بسيطة: «إذا مللت المولات وتريد أن تجرب شيئاً جديداً في عطلة نهاية الأسبوع، تعال إلى جيبيكس».

الخط الياباني.. كل يوم لوحة مختلفة

ومن التجارب التي لفتت الانتباه في المعرض لقاء أستاذة الخط الياباني يوشيمي فوجي، المعروفة باسمها الفني سويهو.

وفي حديث حصري لـ«البيان» على هامش المعرض، شرحت أن الخط الياباني، أو «شودو»، لا يقوم فقط على كتابة الحروف بصورة جميلة، بل على العلاقة بين الفنان والحبر والورق واللحظة نفسها، فحتى لو استخدم الفنان الفرشاة نفسها والحبر والورق نفسيهما، قد تأتي النتيجة مختلفة من يوم إلى آخر بسبب الرطوبة والحرارة وكمية الماء وحركة اليد.

وبالنسبة إلى فويجي، التي أمضت أكثر من ثلاثة عقود في ممارسة هذا الفن ضمن عائلة لها تاريخ معه، فإن الوصول إلى مرحلة تقول فيها «لقد أتقنت الخط» ليس هو الهدف، فالخط، كما تراه، طريق يستمر طوال العمر، وكل عمل جديد هو محاولة أخرى للوصول إلى درجة أعلى من الفهم والإتقان.

لكن تجربتها في الإمارات دفعتها أيضاً إلى الخروج من الإطار التقليدي، فبدلاً من الاكتفاء بالحبر الأسود وورق الأرز، بدأت تعمل على القماش وتستخدم الألوان ومواد أخرى مثل النحاس، وقالت إن وجودها في الإمارات جعلها أكثر انفتاحاً على تقديم فنها بصورة معاصرة تجذب الجمهور، من دون أن تتخلى عن جوهر «الشودو» وفلسفته.

صورة محمد بن راشد.. حين يصبح الحبر نفسه عملاً فنياً

ومن أكثر القطع ندرة في جناح الخط الياباني عمل يحمل ملامح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلا أن خصوصيته لا تكمن في الصورة وحدها، بل في المادة التي صنعت منها.

فالقطعة مصنوعة من «السومي» (Sumi)، وهو الحبر الياباني التقليدي الذي لا يأتي دائماً في صورته السائلة المعروفة، وإنما يُصنع أساساً من السخام ومادة رابطة، ثم يُعجن حتى يصبح كتلة لينة قبل تشكيله وتجفيفه ليصبح حبراً صلباً.

وفي صناعة الحبر الياباني التقليدية، يمكن أن تُضغط الكتلة وهي لا تزال لينة داخل قوالب دقيقة، فتنتقل النقوش والتفاصيل إلى سطح الحبر نفسه. وهكذا لا تعود القطعة مجرد مادة تُستخدم في الكتابة أو الرسم، بل تصبح هي الأخرى جزءاً من الحرفة الفنية.

وفي العمل المعروض في «جيبيكس»، استُخدمت هذه الفكرة بأسلوب أكثر تعقيداً، إذ شُكِّلت ملامح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم داخل قطعة الحبر نفسها.

ومع تحريك القطعة أمام الضوء، تبدأ ملامح الوجه في الظهور تدريجياً، بفعل اختلاف البروز والملمس وانعكاس الضوء على درجات السواد، حتى يبدو أن الصورة تخرج من داخل المادة، لا أنها رُسمت فوق سطحها.

وبحسب ما أوضحته فويجي لـ«البيان» على هامش المعرض، فإن التقنية المستخدمة في تنفيذ هذه القطعة شديدة الندرة، ولا يتقنها في اليابان، وفقاً لما ذكرته، سوى شخصين.

وهنا تكمن فرادة العمل، فالحبر الذي يفترض أن يرسم الصورة على الورق، أصبح هو الصورة نفسها، حاملاً ملامح حاكم دبي في قطعة تجمع بين حرفة يابانية تقليدية ورمز من رموز المدينة التي تستضيف هذا اللقاء الثقافي.

ولم تتوقف التجربة عند مشاهدة أعمالها، فقد ساعدت فويجي «البيان» على ارتداء الكيمونو بالطريقة اليابانية، ثم قدمت تجربة عملية للكتابة بالفرشاة والحبر، في انتقال من مشاهدة الثقافة إلى ممارستها فعلياً.

الماتشا على أصوله

وفي تجربة أخرى، كان الموعد مع نونوكا، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لـ«باسارا»، لتعلم إعداد الماتشا وفق خطوات مراسم الشاي اليابانية.

وتنتمي نونُوكا إلى عائلة ارتبطت بهذا التقليد، ولذلك لم تتعلم مراسم الشاي كمهنة حديثة، بل نشأت عليها منذ طفولتها.

ومن طريقة وضع مسحوق الشاي إلى كمية الماء، ثم حركة الخفاقة، لكل خطوة تفاصيلها، وبإشرافها، أتيحت لـ«البيان» فرصة إعداد الماتشا من البداية، في تجربة توضح أن ما يبدو كوباً بسيطاً يحمل خلفه طقساً كاملاً من الدقة والهدوء.

ساموراي ونينجا في دبي

ويقدم المعرض كذلك تجارب وعروضاً مستوحاة من عالم الساموراي والنينجا بمشاركة فنانين قادمين من اليابان.

وقال المؤديان مياشي شيون وتاكافومي ميكي، في حديث حصري لـ«البيان» على هامش المعرض، إن دبي تركت لديهما انطباعاً قوياً منذ وصولهما، وقال أحدهما إن المباني والمعالم كانت أول ما أثار دهشته، مضيفاً أن «المدينة نفسها، ومعها الناس، لديها طاقة وقوة يمكن الشعور بهما».

أما عن مشاركتهما في «جيبيكس»، فأكدا أن فكرتهما لا تقوم على تقديم عرض أمام جمهور فقط، بل على إشراك الحضور في الأجواء، وقالا إن الهدف هو أن يصل الجميع، من الفنان إلى الجمهور، إلى الشعور نفسه بالحماس والاستمتاع خلال العرض، وأن يصبح الموجودون في المكان جزءاً من التجربة لا مجرد مشاهدين لها.

ست بطولات وأكثر من 150 فناناً

ويجمع «جيبيكس» أيضاً جانباً كبيراً من ثقافة الألعاب والأنمي.

ويضم المعرض ست بطولات، من بينها Pokémon وOne Piece وFIFA على PlayStation وTekken وSuper Smash، إلى جانب مسابقات للكوسبلاي تشمل الأزياء والعروض والمواهب، مع حكام دوليين وجوائز مالية.

وبحسب المنظمين، تقدم بطولة Pokémon واحدة من أعلى الجوائز المخصصة لهذه المنافسات في منطقة الخليج.

كما يشارك أكثر من 150 فناناً ضمن Artist Alley، فيما يضم المعرض أكثر من 150 متجراً وعارضاً يقدمون المقتنيات والملابس والمنتجات المرتبطة بالأنمي والألعاب والثقافة اليابانية، بمشاركة محلية ودولية.

صناعة محلية تبدأ من الطابعة

وفي وسط هذا الحضور الياباني، يوفر «جيبيكس» أيضاً مساحة لمشاريع إماراتية ومحلية.

ومن بينها UAE Makers، الذي أسسه سعيد البلوشي وحسين الموسوي، ويعمل على إنتاج مجسمات فنية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.

وتبدأ العملية من التصميم وصناعة النموذج، ثم الطباعة باستخدام PLA أو Resin بحسب طبيعة القطعة، قبل الانتقال إلى التشطيب والتلوين اليدوي.

وقال البلوشي والموسوي، في حديث حصري لـ«البيان» على هامش المعرض، إن موقع «جيبيكس» في مركز دبي التجاري العالمي كان أحد أسباب مشاركتهما، إلى جانب أن تكلفة المشاركة كانت مناسبة مقارنة ببعض المعارض الأخرى.

وأوضحا أن هذا النوع من الفعاليات مهم بصورة خاصة للمشروعات الصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن الانتقال من البيع عبر الشاشة إلى عرض المنتج أمام الجمهور ليس سهلاً دائماً، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة بعض المعارض.

كما أشادا بتواصل فريق «جيبيكس» مع المشاركين قبل انطلاق الحدث، وقالا إن التعامل معهم كان يقوم على فكرة أن المنظمين والعارضين يعملون كفريق واحد لإنجاح التجربة.

أكثر من معرض للأنمي

بعد قضاء ساعات بين أجنحة «جيبيكس»، يتضح أن وصفه بأنه معرض للأنمي وحده لا يعطي الصورة كاملة، فقد يأتي البعض لمشاهدة الكوسبلاي، وآخرون من أجل الألعاب، وغيرهم من أجل السوشي أو الماتشا، لكن بين كل ذلك توجد فرصة للتعرف إلى جوانب من الثقافة اليابانية لا تصل دائماً إلى الجمهور من خلال الشاشات، والفارق هنا أن الزائر لا يكتفي بالمشاهدة.

وهذا ربما هو العنصر الذي أراد مؤسسو «جيبيكس» الأربعة الوصول إليه: ألا يشاهد جمهور دبي اليابان من بعيد، بل أن يجرب جزءاً منها بنفسه، في مدينة اعتادت أن تجمع العالم تحت سقف واحد.