في السنوات الأخيرة من صدر الإسلام، أُسندت إلى أسامة بن زيد قيادة جيش وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة، وفي ذلك الجيش رجال أكبر منه سناً وأكثر تجربة، وتختلف المصادر القديمة في تحديد عمره بدقة، فالذهبي يورد في ترجمته أنه كان في حدود العشرين عند وفاة النبي، بينما جعلته روايات أخرى أصغر من ذلك بقليل، لكن المتفق عليه أنه كان شاباً في موقع قيادة ثقيل، وهي صورة تكشف شيئاً عن معنى المسؤولية في المجتمع العربي القديم حيث لم يكن صغر السن، وحده، سبباً كافياً لحجب التكليف متى ظهرت القدرة عليه.
لكن قراءة هذه الصورة اليوم لا تحتاج إلى مقارنة بين جيل "قوي" وجيل "ضعيف"، فالمسؤولية نفسها تغيرت لأن الحياة تغيرت، فقبل قرون، كانت كثير من مسؤوليات الشاب مرتبطة مباشرة بالبقاء مثل السفر، والتجارة، وحماية المال، والفروسية، ومواجهة الطريق وما يحمله من خطر، أما اليوم، فقد انتقل جانب كبير من هذه المسؤولية من القوة الجسدية إلى المعرفة والاختيار مثل اختيار دراسة طويلة، وتخصص، ووظيفة، وإدارة مال، واغتراب، وقدرة على بناء حياة بعيدة عن البيت.
ويقول طرفة بن العبد:
إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟ خِلتُ أنّني ... عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ
وقد فسر شراحها «الفتى» هنا بمعنى يتجاوز العمر إلى الشجاعة والسيادة والكرم، أي أن السؤال "من فتى؟" لم يكن بحثاً عن أصغر الموجودين، بل عمن يستطيع النهوض بما عجز عنه غيره.
كانت البيئة نفسها تدفع نحو هذا النوع من النضج، فالسفر كان يستغرق أسابيع أو أشهراً، والتجارة تحتاج إلى معرفة الطريق والناس والأسعار، والفروسية عناية بفرس يعتمد صاحبه عليه في الانتقال والنجاة، فكل خطأ تقريباً كانت له نتيجة ملموسة وسريعة، ولهذا كان تحمل المسؤولية يظهر في القدرة على القيام بالفعل.
أما اليوم فقد أصبح الطريق إلى مرحلة الرشد أطول، لكنه ليس بالضرورة أسهل، فالتعليم نفسه امتد، وأصبح الانتقال من الدراسة إلى العمل أكثر تعقيداً، فالشاب لا يخرج اليوم غالباً إلى قافلة تجارية في السابعة عشرة، لكنه قد يغادر بلده في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة للدراسة، وما يبدو من الخارج "بعثة" هو، في الحياة اليومية، تمرين كامل على الاستقلال فيبحث الشاب عن سكن جديد، وميزانية، وطعام، ودراسة، ومواعيد، وأوراق رسمية.
واللافت أن الاغتراب نفسه ليس فكرة جديدة في الذاكرة العربية، فقد أفرد ابن عبد البر في «بهجة المجالس» باباً للسفر والاغتراب، وكذلك جمعت «التذكرة الحمدونية» أشعاراً كاملة في مفارقة الوطن وطلب المصلحة خارجه.
ويقول البحتري:
واحب آفاق البلاد إلى الفتى ... ارض ينال بها كريم المطلب
وهذا بيت قصير لكنه يصلح لوصف جانب من حياة الشاب العربي اليوم، فقد يكون المكان المحبوب هو الوطن، لكن المكان الذي يذهب إليه الإنسان هو حيث يجد العلم أو العمل أو الفرصة.
المسؤولية إذاً انتقلت من ميدان إلى آخر، ولهذا يظل بيت طرفة صالحاً بعد أكثر من ألف عام، وإن تغيرت الأشياء التي يستجيب لها الفتى.
