القراءة تُغير خيال الناس عن الممكن

لا تبدأ السياسة دائماً من صندوق اقتراع، ولا من خطاب حزبي، ولا من مظاهرة في الشارع، أحياناً تبدأ من صفحة، ومن يد تفتح كتاباً، ومن عقل يقرر أن لا يكتفي بما قيل له، وأن يسأل ويشك، وثم يمضي خطوة أبعد ويشك بالشك ذاته.. فمن كتب هذه القصة؟ ومن غاب عنها؟ ولماذا طلب منا أن نصدق رواية واحدة فقط؟

القراءة تبدو في الوهلة الأولى هادئة، فردية، وربما شخصية جداً، فالقارئ يجلس في زاوية ما بكتاب مفتوح وصمت يحوم به. لكن ذلك الصمت نفسه قد يكون مساحة مقاومة، فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بتمرير عينيه على الكلمات فقط، بل يدخل في حوار مع فكرة، ومع زمن، ومع سلطة كتبت أو منعت أو اختارت ما يصل إليه.

من هنا تصبح القراءة سياسية، لأن كل كتاب يحمل داخله أثر المجتمع الذي أنتجه. فلا توجد رواية بلا طبقة اجتماعية، ولا تاريخ بلا منتصر ومهزوم، ولا كتاب مدرسي بلا اختيار مسبق لما يستحق أن يقال وما يمكن تركه في الهامش.

معرفة وسلطة

منذ قرون، عرفت السلطات في بعض الدول  أن القراءة خطر. لذلك مُنعت كتب، وأُحرقت مكتبات، وحُرمت فئات كاملة من التعلم. وفي مجتمعات كثيرة، لم يكن منع القراءة مرتبطاً بالخوف من الحروف نفسها، بل بالخوف مما تفعله الحروف حين تصل إلى من حُرموا منها. فالذي يقرأ يبدأ في المقارنة، والذي يقارن يبدأ في الشك، والذي يشك يصعب قياده بالطريقة نفسها.

ووفقاً لـ«اليونسكو»، ما زال 739 مليون بالغ حول العالم لا يستطيعون القراءة والكتابة، رغم أن المنظمة ترى محو الأمية جزءًا من الحق في التعليم ومفتاحاً للمشاركة والعمل والصحة وتقليل الفقر. وهنا تتجلى أهمية القراءة ونرى أنها ليست رفاهية ثقافية، هي باب للخروج من الطاعة الصامتة، خصوصاً للفئات المستضعفة، ولهذا ارتبطت محاربة الأمية دائماً بالتحرر.

من يختار؟

في الولايات المتحدة مثلًا، تحولت معارك حظر الكتب إلى دليل واضح على أن القراءة ما زالت ساحة سياسية. وتوثق «بان أمريكا» المعنية بحرية التعبير وحقوق الكتّاب، 6870 حالة حظر كتب في المدارس العامة خلال العام الدراسي 2024-2025، في 23 ولاية و87 منطقة تعليمية.

وتقول المنظمة إنها وثقت منذ عام 2021 قرابة 23 ألف حالة حظر في المدارس العامة. وتعبر هذه الأرقام عن خوف من أفكار معينة: كتب عن العرق، والتاريخ، والهوية، والجسد، والذاكرة.

واللافت أن الحظر لم يعد يطارد الروايات وحدها، فتشير «بان أمريكا» أيضًا إلى تضاعف الرقابة على الكتب غير الخيالية في ربيع 2026، من موضوعات التاريخ والصحة والمعرفة العامة إلى السير والمذكرات، أي إن الخوف لم يعد من الخيال فقط، بل من الوقائع نفسها.

قراءة ضد النسيان

حين يقرأ الإنسان تاريخاً لم يروَ له في المدرسة، يصبح قارئاً سياسياً، وحين تقرأ المرأة نصوصاً كتبتها نساء حذفت أسماؤهن من المناهج، فهذا فعل سياسي، وحين يقرأ شاب رواية عن أقلية يشبهها، بعد سنوات من عدم رؤية نفسه في الكتب، فهذا فعل سياسي، وحين يقرأ شخص من الطبقة العاملة كتاباً يشرح علاقته بالعمل والمال والسلطة، فهو يقرأ ليفهم مكانه في العالم.

لهذا كانت حركات التحرر دائمًا قريبة من القراءة، من حلقات القراءة في الحركات العمالية، إلى كتب السجون، إلى المكتبات السرية، إلى حلقات النقاش التي سبقت الثورات، لم يكن الكتاب سلاحاً بالمعنى المادي، لكه كان يغير خيال الناس عن الممكن، ولعل هذا أخطر بكثير من السلاح المادي بالنسبة للبعض، فالخيال هو بداية السياسة.

عصر الاختصار

اليوم، لم تعد المشكلة في منع الكتب وحدها. هناك شكل جديد من إضعاف القراءة، ألا وهو السرعة. فاليوم، نعيش وسط ملخصات، ومقاطع قصيرة، وعناوين سريعة، وإجابات جاهزة من الذكاء الاصطناعي، وكل شيء يدفعنا إلى معرفة سطحية تبدو كافية، لكن الفهم لا يولد دائماً من السرعة.

فالقراءة الطويلة تعلم الإنسان الصبر، وتدربه على احتمال التعقيد، وتجعله يرى الفكرة قبل أن يحكم عليها، وهذه مهارات سياسية بامتياز في زمن الانقسام والخوارزميات. فالذي لا يقرأ إلا العنوان، يسهل دفعه إلى الغضب. أما القارئ الذي يتوقف، ويقارن، ويسأل عن السياق، فهو أقل قابلية لأن يتحول إلى أداة في يد خطاب سريع.