مدينة موهينجو دارو، إحدى أكبر مدن حضارة وادي السند، قدّمت نموذجاً حضارياً فريداً خالف ما اعتاد المؤرخون اعتباره قاعدة ثابتة في تطور المجتمعات البشرية حيث ازدهرت بلا تعظيم الملوك.
من المعروف أن المدن القديمة تزدهر عادةً بظهور طبقات حاكمة وتركّز الثروة في أيدي نخبة صغيرة، إلا أن أدلة تشير إلى أن وهينجو دارو التي ازدهرت قبل نحو أربعة آلاف عام، أصبحت أكثر مساواة كلما ازداد حجمها وازدهارها الاقتصادي.
ونُشرت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة يورك البريطانية في مجلة Antiquity، بعد تحليل شامل لأحجام المنازل في موهينجو دارو، الواقعة في باكستان الحالية، والتي كانت أكبر مدن حضارة وادي السند وأكثرها تطوراً.
واعتمد الباحثون على بيانات أثرية تراكمت عبر عقود من أعمال التنقيب، وقارنوا بين أحجام المساكن في المراحل المختلفة من تاريخ المدينة.
وأظهرت النتائج أن الفجوة بين أكبر المنازل وأصغرها تقلصت مع مرور الوقت، في إشارة إلى انخفاض التفاوت في الثروة، حتى وصلت مستويات المساواة في أواخر عمر المدينة إلى ما يشبه المجتمعات الزراعية الأولى.
ويخالف هذا الاكتشاف النظريات التاريخية السائدة، التي ترى أن نمو المدن القديمة كان يقترن دائماً بتعاظم نفوذ الملوك والكهنة والنخب السياسية، كما حدث في مصر القديمة وبلاد الرافدين واليونان، حيث تركزت السلطة والثروة في أيدي قلة، وظهرت القصور الضخمة والمعابد الفخمة والمقابر الملكية.
لكن الصورة في موهينجو دارو كانت مختلفة تماما، فلم يعثر علماء الآثار على قصور ملكية أو معابد ضخمة أو مقابر مليئة بالذهب، كما لم تُكتشف تماثيل لحكام أو فراعنة أو ملوك يرمزون إلى سلطة مركزية مطلقة.
وبدلاً من ذلك، كشفت المدينة عن تخطيط عمراني متقدم، تميز بشوارع مستقيمة وشبكات صرف صحي متطورة وقنوات مبنية بالطوب، وهي بنية تحتية كانت متاحة لمعظم السكان، وليس لفئة محدودة فقط.
وقال الدكتور آدم غرين، الباحث الرئيس في الدراسة، إن سكان حضارة وادي السند اختاروا استثمار مواردهم في تحسين الحياة اليومية لجميع السكان، بدلاً من تشييد منشآت ضخمة تمجد الحكام أو النخب.
وأضاف أن المدينة قدمت نموذجاً مختلفاً تماماً عن الحضارات المعاصرة لها، ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تبني الأهرامات لملوكها، وكانت حضارات أخرى تشيد القصور الضخمة، ركزت موهينجو دارو على تطوير شبكات الصرف الصحي وتنظيم الشوارع وتوفير الخدمات العامة.
كما لاحظ الباحثون أن الأختام التجارية، التي كانت تستخدم في التجارة وإدارة المعاملات الاقتصادية، عُثر عليها غالباً داخل المنازل العادية، وليس في مبانٍ حكومية أو قصور، ما يشير إلى أن النشاط التجاري لم يكن محصوراً بيد نخبة صغيرة، بل كان متاحاً لقطاع واسع من السكان.
وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن حضارة وادي السند اعتمدت نظاماً موحداً للأوزان والمقاييس في مختلف مدنها، وهو ما ساعد على تحقيق قدر أكبر من العدالة والشفافية في التجارة، وعزز التعاون الاقتصادي بين السكان.
ويرى الباحثون أن هذا النموذج الحضاري يثبت أن التقدم الاقتصادي لا يشترط بالضرورة زيادة التفاوت الاجتماعي، وأن المجتمعات يمكن أن تحقق مستويات عالية من الإنتاج والابتكار مع توزيع أكثر عدالة للموارد والسلطة.
ويعتقد الفريق أن انخفاض مستويات التفاوت ربما كان أحد الأسباب التي ساعدت المدينة على الحفاظ على ازدهارها لقرون طويلة، من خلال تعزيز التعاون المجتمعي والاستثمار في المرافق العامة بدلاً من تركيز الثروة في أيدي قلة.
وتفتح نتائج الدراسة الباب أمام إعادة النظر في كثير من الأفكار التقليدية حول نشأة المدن والحضارات، إذ تشير إلى أن التاريخ لا يقدم نموذجاً واحداً للتقدم، وأن موهينجو دارو تمثل مثالاً نادراً على مدينة كبيرة ومتطورة نجحت في تحقيق الازدهار مع الحفاظ على قدر ملحوظ من المساواة بين سكانها.

