الألم عنوان وجود ونافذة في جدار الوعي

ليس الألم عارضاً يمر بالجسد كما تمر السحابة بوجه السماء، بل هو أحياناً أول برهان يقدمه الإنسان على أنه ما زال هنا.. يحس، ويقاوم، وينادي، ويطلب من العالم أن يلتفت إليه

.قال «ديكارت» كلمته المشهورة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، فجعل الفكر شاهداً على الوجود، والعقل مرآة الإنسان الأولى، غير أن «ميلان كونديرا» وقف عند هذه العبارة وقفة من يعرف أن وجعاً صغيراً في الجسد أو القلب قد يهدم أبراج الفلسفة كلها، فقال إن الحقيقة الأوسع هي: "أنا أشعر، إذن أنا موجود".

ومن هنا نستطيع أن نمضي خطوة أبعد فنقول: أنا أتألم، إذن أنا موجود، فالألم ليس نقيض الوجود، بل صرخته، وليس دليلاً على سقوط الإنسان وحده، بل دليلٌ على أنه ما زال حياً بما يكفي ليحس، وما زال إنساناً بما يكفي لينكسر، وما زال حاضراً بما يكفي لأن يطلب من العالم أن يراه.

لغة الجسد

الألم ليس وهماً خاملاً ولا شكوى زائدة، فالجمعية الدولية لدراسة الألم تعرّفه بأنه تجربة حسية وعاطفية غير سارة، ترتبط بتلف فعلي أو محتمل في الأنسجة، أو تشبه ذلك التلف، وتؤكد أن الألم تجربة شخصية تتأثر بعوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.

وهذا التعريف وحده يكشف لنا أن الألم ليس في العصب وحده، ولا في الجرح وحده، بل في الإنسان كله.. في ذاكرته، وخوفه، ووحدته، وانتظاره، وفي ذلك الصوت الخفي الذي يسأل: لماذا أنا؟ وإلى متى؟

خطأ الإنسان

ليس الخطأ دائماً سقوطاً في الخطيئة، بل قد يكون سقوطاً في الحقيقة؛ نحن نخطئ فنرى هشاشتنا، ونكابر فننكشف، ونعتقد أننا أقوياء، فإذا بألم صغير في القلب أو الجسد يردّنا إلى حجمنا الأول: مخلوقات قلقة، تمشي على أرض لا تضمن لها خطوة الغد.

وما أكثر من يعيشون حياة مستقيمة في ظاهرها، ولكنهم لا يعرفون أنفسهم إلا حين يتعثرون؛ فالخطأ، مثل الألم، يفتح نافذة في الجدار، قد يجرحنا لكنه يفضح لنا موضع الجرح، وقد يذلنا لكنه يوقظ فينا ذلك الوعي النائم بأننا لسنا آلات تمضي بلا حساب.

أرقام الوجع

وليس الألم تجربة نادرة تختبئ في بيوت قليلة، فبحسب منظمة الصحة العالمية، أثّر ألم أسفل الظهر وحده في 619 مليون شخص عالمياً عام 2020، ومن المتوقع أن يصل العدد إلى 843 مليون حالة بحلول عام 2050، وهو السبب الأول للإعاقة في العالم.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 24.3% من البالغين عانوا ألماً مزمناً في 2023، وأن 8.5% عانوا ألماً مزمناً عالي التأثير يحد من حياتهم أو أعمالهم.

هذه الأرقام لا تقول إن البشر مرضى فقط، بل تقول إن الوجع لغة عالمية، لا تحتاج إلى مترجم، ولا تعترف بجواز سفر، ولا تسأل صاحبها عن ثروته أو لقبه أو عمره.

إعلان الوجود

حين يقول الإنسان: "أنا أتألم"، فهو لا يصف إحساساً عابراً فحسب، بل يعلن وجوداً كاملاً. إنه يقول: لي جسد يتأثر، وقلب ينقبض، وذاكرة تتوجع، وأمل يخاف أن ينطفئ.

إنه يطلب اعترافاً لا شفقة، وحضوراً لا نصيحة باردة. كم من مريض لم يكن أكثر ما يؤلمه موضع المرض، بل نظرة من حوله إليه كأنه عبء، وكم من حزين لم يكن يريد من الناس أن يحلوا حزنه، بل أن يصدقوا أنه حزين؛ فالإنسان لا يموت من الألم وحده، بل يموت حين يُكذَّب ألمه.

وجع الروح

وقد يكون الألم في الروح أقسى من الألم في الجسد، لأن الجرح الظاهر يجد ضمادة، أما الجرح المستتر فيُتَّهم صاحبه بالمبالغة، لذلك كان الاعتراف بالألم أول الرحمة.

أن تقول لإنسان: "أعرف أنك تتألم"، قد تكون عنده أعظم من دواء؛ لأنها تعيده من منفى الصمت إلى وطن البشر، والألم على قسوته، ليس عدواً مطلقاً، إنه إشارة تكشف عن مواطن الخلل، فهو ينبه الجسد إلى الخطر، وينبه النفس إلى ما أنكرت، وينبه القلب إلى ما أخفاه طويلاً تحت ثياب الكبرياء، ليصبح الألم المعلم الأول للإنسان منذ ولادته.

حكمة الجرح

ليس المطلوب أن نمجد الألم، ولا أن نجعل الوجع فضيلة في ذاته؛ فالألم إذا طال أكل صاحبه، وإذا أُهمل صار سجناً، وإذا تُرك بلا علاج تحول من إشارة إلى مصير. لكن الخطأ أن نراه فضيحة يجب كتمانها، أو ضعفاً ينبغي إنكاره.

إن في كل ألم سؤالاً، وفي كل خطأ مرآة، وفي كل انكسار فرصة لأن يرى الإنسان نفسه بلا زينة، وقد لا يخرج المرء من ألمه أقوى دائماً -فهذه عبارة يرددها المتعجلون- لكنه قد يخرج أصدق، وأرقّ، وأقل قسوة على آلام غيره.

خلاصة الوجع

أنا أتألم، إذن أنا موجود، لا بمعنى أن الوجود لا يثبت إلا بالعذاب، بل بمعنى أن الألم يوقظ فينا الحقيقة التي تغطيها العادة. يذكرنا بأننا لسنا حجارة، وأن الجسد أمانة، وأن الروح تحتاج إلى من يسمعها، وأن الإنسان لا يُقاس بما يخفيه من قوة، بل بما يعترف به من هشاشة.

فإذا أخطأنا وتألمنا، فلا نجعل الخطأ قبراً، ولا الألم عاراً؛ لنجعلهما باباً: ندخل منه إلى معرفة أنفسنا، ونخرج منه أكثر رحمة بمن حولنا، لأن الوجع الذي لا يعلّم صاحبه الرحمة، لا يكون قد أدى رسالته الأخيرة.