يبدأ فيلم «ديغر» (Digger) بداية واعدة، ثم لا يلبث أن يتداعى، ويفقد تماسكه حول الدقيقة الأربعين، ومع وصوله إلى النهاية يكون قد توقف عن العمل كلياً.
إنه لأمر غريب أن يُقال هذا عن عمل صُنع بكل هذا الحرص والعناية، غير أن هذه العناية الفائقة تحديداً هي ما يجعل إخفاقه باعثاً على الحيرة.
التأسيس بسيط وساخر؛ فـ«ديغر روكويل» (توم كروز) قطب نفط فاحش الثراء والنفوذ، يُوصف بأنه الرجل الأقوى في العالم، تسبب في إشعال كارثة بيئية كبرى، وهو الآن يطلق حملة مسعورة، ليثبت للعالم أنه مخلص البشرية، قبل أن تبتلع الكارثة التي صنعها بيديه كل شيء، وحوله الدكتور «نيراف غانيش» (ريز أحمد)، رئيس قسم السلامة البيئية لديه، والرئيس «كومبسون» (جون غودمان)، الذي يطالب ديغر بأن ينظف فوضاه الخاصة بنفسه، ويصعب الخوض في أي تفاصيل أبعد من ذلك من دون حرق مفاجأة في الحبكة، وهي مفاجأة قد يرفضها كثير من المشاهدين عن حق.
يقودنا ذلك إلى السؤال الحقيقي الذي يطرحه العمل: لماذا آمن مخرجه بهذا المشروع أصلاً؟ فسجل أليخاندرو غونزاليس إينياريتو يزخر بالتحف الفنية؛ إذ حصد الأوسكار عن Birdman، ذلك الفيلم الفريد، الذي استعصى على المقارنات السهلة، وتلاه بـThe Revenant، الويسترن المتوحش والقاسي، الذي ترشح بدوره لجائزة أفضل فيلم. إن الجمع بين فوز وترشيح متتاليين، وفي نوعين سينمائيين متباينين تماماً يشي بالكثير عن حجم موهبته؛ غير أن Digger لا يظهر شيئاً من تلك الثقة.
من الواضح أن كروز يستمتع بوقته هنا، وأداؤه جيد إلى حد ما؛ وفي مشهد غريب نجد ديغر يجلس حول طاولة مع مجلس الوزراء الأمريكي، برئاسة كومبسون في إحاطة علمية، فيخطف غودمان المشهد بأكمله دون أدنى جهد؛ إذ يتبادل هو ووزراؤه النكات والسخرية على حساب ريز أحمد، بينما يجلس كروز صامتاً على الطاولة ذاتها وكأنه اختفى من المشهد. نجد التوازن بين الشخصيات في هذا المشهد غريباً بعض الشيء.
وبعد انقضاء الساعة الأولى تزداد الأمور سوءاً. كل مشهد يطول أكثر مما يحتمل، ممتداً برتابة ومتحولاً إلى الملل، وكأن إينياريتو لا يدري ما الذي ينبغي أن يفعله بالمادة الموضوعة بين يديه.
يغدو الفيلم أجوف، ومربكاً، ومحملاً بفلسفة مفرطة ومفتعلة، من دون أن ندرك قط الغاية من هذه التجربة بأسرها؛ إنه من ذلك النمط من الأفلام، الذي يخلط بسذاجة بين الغموض والعمق.
وما يبعث على الإحباط حقاً أن Digger هو بلا شك الفيلم الأبهر بصرياً في مسيرة إينياريتو بأكملها؛ فكل لقطة تمثل درساً متقدماً في التأطير البصري، من الدقيقة الأولى وحتى الأخيرة.
لقد صُوّر الفيلم بصيغة 35 ملم فيستافيجن (VistaVision)، ليغدو متعة بصرية خالصة للعين: تظل عيناك تنهلان من الجمال وتتشربانه بينما تتساءل في حسرة: لماذا عجز السيناريو عن الارتقاء إلى المستوى ذاته؟
إيمانويل لوبيزكي، مدير التصوير ورفيق مسيرة إيناريتو الطويلة، يتفجر إبداعاً وابتكاراً لا ينضب هنا؛ مصوراً من زوايا علوية وسفلية، ومن زوايا خفية ومواضع لم تكن لتخطر لك على بال.
سيناريوهات
الكادرات مشدودة ومحكومة بضيق، بحيث لا يملأ الكادر إلا العنصر الضروري فقط، بينما يُنفى كل ما عداه إلى الخارج، حتى Birdman وThe Revenant، وكلاهما بعدسة لوبيزكي، لم يُصوّرا بهذا السحر الأخّاذ، لكنهما امتلكا سيناريوهات أمتن وذات جوهر ومضمون حقيقيين، وذلك تحديداً هو سر تفوقهما على هذا الإخفاق المتعثر، وكأن إينياريتو لا يكتفي بهذا القدر، فتأتي النهاية في غاية الابتذال وهي على شكل حيلة، ولكنها بعد كل هذه الفوضى لا تنطلي على أحد، وتبدو الحيلة وكأنها استشارة رديئة، أخذها إينياريتو من المخرج إم. نايت شياملان صاحب فيلم «الحاسة السادسة» والمشهور بحيله السينمائية في نهايات أفلامه.
لم يكن في نية إينياريتو بالتأكيد صنع فيلم سيئ؛ وإن كان ثمة عيب فهو أنه حمّل المادة أكثر مما تحتمل، وطمع فيها فوق طاقتها، والنتيجة كانت دفع قطاع واسع من الجمهور نحو أبواب الخروج في منتصف العرض. يظل Digger تذكيراً صارخاً بأن اللوحات البصرية الباهرة تعجز بمفردها عن حمل فيلم كامل؛ فعمل بهذا القدر الهائل من الجمال كان يستحق، على أقل تقدير، قصة تستحق الالتفات إليها.



