«كلايفيس».. كم يحتاج الإنسان الجيد من الخسارات كي يصبح شريراً؟

في بداية فيلم «Clayface» لا يبدو مات هاغن الرجل الذي نتوقع أن يتحول لاحقاً إلى أحد أعداء باتمان، فهو ممثل صاعد، يعرف أسماء العاملين معه في موقع التصوير ويعيش لحظة مهنية استثنائية بعد ترشحه للأوسكار، ويتلقى الخبر بامتنان يكاد يكون بعيداً تماماً عن غرور النجوم.

وهذه بالتحديد هي الحيلة التي يبني عليها الفيلم مأساته، فقبل أن يرينا الوحش، يجبرنا على التعرف إلى الإنسان.

وبحسب مراجعة «ديسكاسينغ فيلم»، يقدم الفيلم هاغن في البداية بوصفه شخصاً لطيفاً فعلاً، يعرف من حوله ولا يتعامل معهم بتعالٍ، ثم يبدأ الغضب بالتراكم بعد انهيار حياته، في تحول تنجح الكتابة وأداء توم ريس هاريس في جعله محسوساً. 

ويتطرق الفيلم لسؤال صعب: في أي لحظة تحديداً توقف عن كونه ضحية وأصبح مسؤولاً عن الوحش الذي صنعه بنفسه؟

هاغن نجم في طريقه إلى القمة حين تقوده سلسلة من الخيارات إلى مواجهة مع أحد رجال الجريمة في غوثام، تنتهي بتشويه وجهه، وفجأة، لا يفقد مظهره فقط، إنما تبدأ حياته المهنية والاجتماعية والمالية بالتفكك من حوله.

ووفق «تايمز ناو»، تنهار مسيرته بعد إصابته، ويبتعد عنه المقربون منه، بينما لا تنجح العمليات في إعادة مظهره السابق.

وفي النهاية يلجأ إلى العالمة كايتلين كور وتجربتها الطبية غير المختبرة على البشر أملاً في استعادة وجهه وحياته. 

من الناحية الفلسفية، يقترب «كلايفيس» من مشكلة قديمة للغاية: إذا تغيّر كل ما يعرّفنا أمام الآخرين، فهل نبقى الأشخاص أنفسهم؟

بالنسبة إلى هاغن، المعضلة أكثر قسوة لأنه ممثل، ووظيفته قائمة أصلاً على ارتداء شخصيات الآخرين، لكن وجهه الحقيقي هو السلعة التي بنت شهرته، وحين يفقده، يكتشف أن جزءاً كبيراً من الحب الذي اعتقد أنه موجه إليه كان مرتبطاً بصورة قابلة للبيع.

وتمنحه التجربة الطبية ما يريد، ثم تمنحه أكثر مما ينبغي، فيصبح قادراً على تغيير جسده ووجهه، أي أنه يستطيع نظرياً أن يكون أي شخص.

لكن الرجل الذي يستطيع امتلاك كل الوجوه يبدأ بفقدان وجهه الداخلي.

مشكلة هاغن أن قصته تتغير، ففي البداية هو «الرجل الذي ظُلم»، ثم يصبح «الرجل الذي يريد استعادة ما سُلب منه»، وبعدها «الرجل الذي يحق له الانتقام»، وفي المسافة الصغيرة بين الجملتين الأخيرتين يولد الشرير.

متى يصبح المظلوم ظالماً؟

يقوم الفيلم بشيء ذكي عندما يجعل غضب هاغن مفهوماً، من دون أن يجعل كل ما يفعله أخلاقياً.

فبحسب «سكرين اناركي»، تتحول رغبة هاغن في الانتقام تدريجياً إلى قوة تفسد شخصيته، إلى أن لا يعود بطلاً، إذا كان قد كان كذلك أصلاً. 

وهنا يمكن استحضار الفيلسوف فريدريك نيتشه ومقولته الشهيرة، بالمعنى لا بالنقل الحرفي، عن خطر أن يصبح من يقاتل الوحوش وحشاً هو الآخر، فالفكرة ليست أن المعاناة تجعل الإنسان شريراً بصورة حتمية، وإنما أن إحساسنا بأننا تعرضنا للظلم قد يتحول إلى ترخيص أخلاقي يقول: لقد آذوني، إذاً يحق لي أن أؤذيهم، وهذه المنطقة الرمادية هي أفضل ما يملكه «كلايفيس».

40 مليون دولار

واللافت أن التجربة نفسها تبدو مختلفة تجارياً عن النموذج المعتاد لأفلام «دي سي»، بحسب أحدث بيانات «ذا نمبرز»، بلغت إيرادات الفيلم العالمية 50.75 مليون دولار، منها 29.65 مليوناً في السوق المحلية و21.1 مليون دولار دولياً، مقابل ميزانية إنتاج قدرها 40 مليون دولار، وحقق الفيلم 24 مليون دولار في عطلة افتتاحه المحلية عبر 3458 دار عرض. 

الوحش ليس الطين

ربما تكون أجمل مفارقة في «كلايفيس» أن القوة التي تحقق حلم هاغن هي نفسها التي تقضي عليه، فأراد وجهه القديم، فأصبح قادراً على امتلاك أي وجه، وأراد استعادة هويته، فأصبح قادراً على تقليد هويات الآخرين، وأراد ألا ينظر إليه الناس كوحش، فانتهى به الأمر إلى التصرف كواحد.

ولهذا ينجح الفيلم أكثر عندما يُقرأ كقصة عن الاستياء لا عن التحول الجسدي، فالشر هنا لا يأتي من مادة غريبة دخلت جسد هاغن وحدها.

التجربة تمنحه القدرة، لكنها لا تتخذ القرارات نيابة عنه، وكل خسارة تمنحه سبباً جديداً للغضب، إلى أن يتحول الانتقام من رد فعل إلى هوية.

وربما لهذا السبب يبدو «كلايفيس» أقل شبهاً بفيلم تقليدي عن شرير خارق، وأكثر شبهاً بمأساة عن رجل كان يريد استعادة نفسه بشدة، حتى دمر آخر جزء منها.