جميعنا يستمتع بأفلام «التسلية الرخيصة» (Guilty Pleasure)؛ التي نشاهدها، ونخشى حكم الآخرين علينا، بسبب مشاهدتها فهي ساذجة، ومسلية، وتشترك جميعها تقريباً في عيب واحد: أنها لا تعرف كيف تنتهي بهدوء. هناك دائماً مفاجأة مبتذلة في اللحظة الأخيرة أو انفجار أحداث مفاجئ يفقد القصة معناها.
ويأتي فيلم «فيريتي» (Verity) كونه أحدث نموذج على هذا النمط، ولعله الأكثر إحباطاً، لأنه يقدم قدراً ضئيلاً للغاية من التسلية التي من المفترض أن نشعر بالذنب حيالها.
آن هاثاواي، الحائزة الأوسكار عن Les Misérables، دأبت على تقديم أعمال إثارة مبتذلة، ومشاريع براقة بمعدل مذهل: من الرومانسية في The Idea of You، إلى الدراما النفسية الموسيقية Mother Mary، والجزء الثاني لـ The Devil Wears Prada، وصولاً إلى مغامرة الديناصورات الصاخبة The End of Oak Street.
والآن يحل Verity، المقتبس عن رواية كولين هوفر، ومن إخراج مايكل شوالتر (الذي أخرج أيضاً The Idea of You)، بسيناريو منسوب إلى نيك أنتوسكا.
تتبع القصة «لوين أشلي» (داكوتا جونسون)، وهي كاتبة متعثرة تُستأجر لإكمال سلسلة روايات المؤلفة الأكثر مبيعاً «فيريتي كروفورد» (آن هاثاواي)، العاجزة عن الحركة والكتابة عقب حادث سير مروع.
تنتقل لوين للعيش في قصر آل كروفورد المنعزل، حيث يقيم جيريمي (جوش هارتنت)، زوج فيريتي، وأثناء فرز أوراق الكاتبة تعثر على ما يبدو أنه سيرة ذاتية غير منشورة، تتضمن اعترافات مروعة ومقلقة حول زواجهما.
ومع تنامي الانجذاب نحو جيريمي تعجز لوين تدريجياً عن تمييز الحقيقة من الخيال، أو الخديعة والتلاعب من الرغبة.
كم مرة شاهدنا هذا الفيلم من قبل؟ يعود هذا النمط في جذوره إلى العصر الذهبي لهوليوود؛ ففيلم Rebecca لهيتشكوك كان أول إنتاج سينمائي ضخم يوظف هذه التيمة: دخيلة تطأ بيتاً تطارده روح امرأة أخرى وحضورها الطاغي، ثم حوّلت ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي هذا النمط إلى صيغة «القادم من الجحيم» (From Hell Formula)، حيث يتسلل وغد إلى حياة شخص أو أسرة مسالمة، والأسوأ من ذلك أن Verity يبدو نسخة طبق الأصل من فيلم The Housemaid لبول فيغ، الذي عُرض العام الماضي؛ امرأة تدلف إلى عالم امرأة أخرى كونها موظفة، فتكتشف أسرارها الدفينة، ليعقب ذلك مفاجأة رخيصة في الحبكة، يتضح معه أن الشرير الحقيقي هو شخص آخر تماماً داخل القصر، فالبناء الهيكلي، وديناميكية العلاقات بين الشخصيات، وحتى التضليل، كلها عناصر تبدو منسوخة ومستعارة، ولكي نكون منصفين فالفيلم ليس مملاً؛ والأداء التمثيلي يحمله ويمضي به قدماً.
التمثيل ليس عظيماً، لكنه يكفي لإبقاء المشاهد مشدوداً للمتابعة. تؤدي جونسون شخصية لوين بنبرتها الهامسة والرتبية المعتادة، ما يحول بعض الجمل الحوارية إلى كوميديا غير مقصودة، كتعليقها المتعالي والمغرور عن الروايات المعروضة في مكتبات المطارات.
أما هاثاواي فتقتحم المادة الدرامية بأداء ساخر، مصطنع، وجامد الملامح (Campy Deadpan) يبدو وكأنه يصرخ في وجه المتفرج: استرخِ، فهذه ساحتي وملعبي، وهذا مجرد ابتذال ممتع.
تكمن العلة في أن كاتب هذه السطور تكهن بالمفاجأة الختامية للحبكة قبل أربعين دقيقة كاملة من نهاية الفيلم، ورأى المفاجأة قادمة من على بعد أميال.
لم يظهر شيء في الفيلم ليلمح بالمفاجأة، ولكن المشاهد المتمرس يكفيه فهم العلاقات الديناميكية بين الشخصيات، ليخمن ما سيحدث في النهاية، وهو تحديداً ما يجعل هذا الفيلم توأماً لفيلم The Housemaid، أما أداء هارتنت المبتذل في النهاية فيزيد من رداءة الحبكة.. أو لعل الكاتب والمخرج لم يحاولا إخفاء تلك المفاجأة أصلاً عن أعيننا.
كما يُعد هذا العام استثنائياً بالنسبة لهاثاواي، التي طُرحت لها خمسة أفلام دفعة واحدة، فقد اختارت ركوب موجة الزخم والنشاط بدلاً من القلق إزاء إغراق جمهورها واستنزافه، وهي لم تصور تلك الأعمال تباعاً؛ فبعضها يعود إلى عام 2023، لكن الجداول الزمنية لمراحل ما بعد الإنتاج، والتأجيلات الخاصة بالمهرجانات، وجدولة استوديوهات التوزيع تضافرت جميعاً، لتصل مشاريع متباينة عدة إلى صالات السينما في وقت واحد تقريباً.
فيلم Verity ليس كارثة سينمائية بالمطلق، وهذا تحديداً هو الحكم الأقسى عليه؛ فهو فيلم متقن، ومصقول بصرياً، لكنه منسيّ؛ عمل إثارة، يخلط بسذاجة بين «المفاجأة غير المتوقعة»، وبناء القصة الحقيقية، فأفلام «التسلية الرخيصة» الحقيقية تملك على الأقل الشجاعة لتكون فجة وصادمة إلى أقصى حد؛ أما هذا الفيلم فلا يرجو منك سوى أن تصدق أكذوبته.



