أمضى كريستوفر نولان مسيرته المهنية بأكملها وهو يطوف حول فكرة الزمن.. يلويه في Inception، ويعكس اتجاهه في Tenet، ويضغطه ويمطه عبر مساحات Dunkirk وInterstellar، ومع «ذا أوديسي»(The Odyssey) يعتمد نولان على المشاهد الاسترجاعية كونها أداة رئيسة للسرد، ولكن بطريقة الطبقات: مشهد حاليّ يتحول إلى استرجاعي، ثم ينتقل من الاسترجاع إلى نقطة أبعد في الماضي.
يوجه هذا الهاجس الزمني عينه صوب أقدم ملحمة باقية في الأدب الغربي، والنتيجة فيلم يؤكد ما ظل يتبلور طوال عقد من الزمان: فمنذ Interstellar عام 2014 يطل نولان كل ثلاث سنوات تقريباً بعمل لا يجرؤ على مقاربته أي صانع أفلام آخر يعمل بمثل ضخامته وحجم إنتاجه؛ وقد يكون The Odyssey هو البيان الأوضح حتى الآن لسبب تحوله حالياً إلى المخرج الأكثر تأثيراً ووزناً في مسار هذا الفن، متفوقاً حتى على ستيفن سبيلبرغ.
ينسج الفيلم أربعة خيوط سردية منفصلة من دون أن يترك جمهوره يتوه في تفاصيلها: 1- رحلة عودة أوديسيوس (مات ديمون) الطويلة والمحفوفة بالعقبات إلى وطنه إيثاكا؛ 2- بينيلوبي (آن هاثاواي) وابنها تيليماكوس (توم هولاند) وهما يخوضان أزمة سياسية متصاعدة في غيابه، بينما يتربص الخطاب بالعرش ويدها معاً؛ 3- مرحلة أوديسيوس الطويلة والمحاصرة مع الحورية كاليبسو (تشارليز ثيرون) في جزيرة أوجيجيا؛ 4- خيط رابع يتتبع مينيلوس (جون بيرنثال)، ملك سبارتا، الذي يتقاطع مصيره في مرحلة ما بعد الحرب بالتوازي مع مصير أوديسيوس.
إنها مقامرة بنيوية شاقة: أربعة مسارات، بنبرات متباينة، ورهانات مختلفة، وينجح نولان في كسبها عبر صهر نوعين سينمائيين نادراً ما يقتسمان الفضاء ذاته بهذه الأريحية: ملحمة النجاة من جهة، والإثارة السياسية من جهة أخرى.
ويأتي الإيقاع دقيقاً ومحكماً إلى حد أنه كلما أوشك خيط سردي على التلاشي من الذاكرة أعاده نولان بزئير مدوٍّ، مانعاً أي مسار من أن يبرد أو يفقد حرارته لوقت أطول من اللازم.
أما أحد أجرأ خيارات الفيلم فهو أيضاً الأكثر مباغتة على الصعيد التاريخي: حصان طروادة نفسه، وهو عنصر لا وجود له في حقيقة الأمر داخل نص «أوديسة» هوميروس أو «الإلياذة» أصلاً، بل هو إضافة لاحقة إلى الأسطورة، يرجح أن أصلها يعود إلى «إنيادة» فرجيل التي كُتبت بعد هوميروس بقرون، فبدلاً من الصورة المألوفة للحصان الخشبي ذي العجلات الذي يشبه لعبة أطفال، يجسده نولان نصف مدفون في مياه الشاطئ الضحلة، ناهضاً على قائمتيه الخلفيتين وكأنه ينبش من الرمال ذاتها، مجروراً ومجبراً على التقدم فوق منصة من جذوع الأشجار المتدحرجة بسواعد رجال يجهدهم الثقل.
إنها إعادة تصور جذرية وغير متوقعة لواحد من أكثر الكليشيهات البصرية ابتذالاً واستهلاكاً في تاريخ العصور القديمة، وهو تحديداً نمط الخيارات، الذي يفصل نولان عن مجرد مخرج يكتفي برسم ما هو مألوف وتوضيحه.
وتجسد سامانثا مورتون في دور «سيرسي» الشخصية الأكثر إثارة للرعب الخالص في الفيلم.
ابنة إله الشمس هيليوس، التي تحول الرجال إلى حيوانات عبر وسائل تبدو أشد غرابة وإثارة للقلق والريبة مما قد يكون المشاهد مستعداً له.
من الناحية التقنية يبدو الفيلم هائلاً: في ضخامة حجمه، وفي حركته الانسيابية بين الخطوط الزمنية، وفوق كل شيء في ملمسه البصري وتفاصيله المادية (Texture)، فالتزام نولان بالإنتاج التناظري (Analog) وتصويره على أشرطة الفيلم الخام الكلاسيكية يؤتي ثماره باستمرار: فحجم الإجهاد يرتسم جلياً على أجساد الرجال وهم يجرون حصان طروادة، ومبنى بارتفاع ثلاثين متراً ينهار في مشهد استرجاع لحرب طروادة بوزن وحرارة مادية، تجعله أقرب إلى لقطة وثائقية من قلب منطقة نزاع حقيقي لا إلى مجرد استعراض رقمي مُولَّد بالحاسوب.
هذه الملموسية الحية.. الشعور بأن بمقدورك أن تمد يدك لتلمس رذاذ الماء المالح، أو الدماء، أو بتلات الزهور تمثل الحجة الدامغة لمقاومة نولان الجلية والصريحة للسينما الرقمية فاقدة الوزن والجاذبية.
يتميز الفيلم بواقعية شديدة قلما نجدها في أفلام الخيال (فانتسي)، وهي نفس اللمسة التي تركها نولان على ثلاثية باتمان، وجعلت من الثلاثية الاستثناء الوحيد في أفلام القصص المصورة.
اللمسة نفسها تؤهل «ذا أوديسي» ليزيح «سيد الخواتم» من عرش أفلام الخيال، ليكون أفضل فيلم من هذه الفئة في القرن 21، كما يسري تحت غطاء المغامرة تيار خفي من الأسى الصامت والمدمر: إشارة إلى أن تأخر عودة أوديسيوس إلى وطنه لم يكن مجرد صنيعة الظروف، بل هو جزئياً عقاب فرضه على نفسه كونه رجلاً تركته أفعاله الشنيعة في الحرب شاعراً بأنه لا يستحق السعادة والسكينة التي تنتظره في إيثاكا، ثم يأتي مشهد سايكلوب، الذي شُيِّد في كهفه ببساطة وإقناع يجعلان عمالقة بيتر جاكسون في The Lord of the Rings يبدون أشبه برسوم متحركة بالمقارنة، فصرخة الألم التي يطلقها «بوليفيموس» ليست مجرد زئير أو عويل، بل هي صوت عميق، حاد ومحفور في الحلق، يبدو وكأنه يهز أركان صالة السينما، من ذلك النوع من الأصوات، الذي يجعلك ترتعش وتتمنى في صمت أن ينتهي سريعاً.
يعد The Odyssey، بأي مقياس منصف، واحداً من أكثر الإنجازات الفنية رسوخاً لهذا العام، وملحمة تحترم حجم مادتها الأصلية، بينما تعيد صياغة أكثر صورها رسوخاً في الذاكرة، لتخلق منها شيئاً جديداً.


