من السهل أن يُخطئ المرء فيصنف فيلم Rio Bravo عام 1959 كفيلم حصار تقليدي بالنظر إلى حبكته التأسيسية: مأمور في بلدة صغيرة، وثلة من النواب، وسجين واحد يسعى الأشرار لاستعادته، وسجن يتحول إلى مركز الثقل للفيلم بأسره.
غير أن هاوارد هوكس لا يكترث بفكرة الحصار، والفيلم نفسه يقاوم هذا التصنيف بعناد لافت؛ فالشخصيات تدخل مكتب المأمور جون تي. تشانس وتخرج منه طوال الليل والنهار عبر الأبواب، وعبر الشارع، ومنه -أي مكتب المأمور- إلى الفندق المجاور ذهاباً وإياباً دون أدنى أثر لتلك العزلة الخانقة والمحكمة التي يفرضها الحصار الفعلي.
ما شيّده هوكس عوضاً عن ذلك هو قصة مواجهة: حالة استنفار وترقب متواصل تُدار بالإرادة والصبر لا بالأسوار والجدران، حيث التهديد حاضر بلا انقطاع، لكن الفضاء المحيط به يظل مفتوحاً على مصراعيه.
هذا التمايز هو ما يصيغ كل تفصيل في إيقاع العمل؛ فهوكس ليس على عجل من أمره، ولا يكترث أيضاً بإبقاء التوتر مشدوداً من البداية إلى النهاية.
يقتحم الفعل الحركي المشهد في دفعات خاطفة، ثم ينحسر لفترات ممتدة يكتفي فيها الفيلم بترك شخصياته يتواجدون معاً داخل غرفة واحدة يلعبون الورق، ويغنون، ويناوشون بعضهم بمداعبات لاذعة، وينساقون إلى أنماطهم القديمة من المودة والضغائن.
إنها بنية غير مألوفة لفيلم وسترن (غرب أمريكي) يتمحور حول تهديد موقوت، غير أنها جوهر مقصده بالذات: يثق هوكس في أن الشخصية، لا الحدث الصاخب، هي ما سيأسر المتفرج ويشده.
وحين ينفجر تبادل إطلاق النار أخيراً، يكون وقعه أشد وطأة لأننا أمضينا وقتاً طويلاً نراقب هؤلاء البشر وهم يتنفسون فحسب.
ولا تتجلى هذه الأناة بغاية أكثر وضوحاً مما تظهر في إدارة هوكس لجون وين. فهنا لا نرى وين في أوج هيمنته المعتادة؛ إذ يؤدي دور تشانس بنبرة أقرب إلى التردد رجلاً تبدو عليه ملامح القلق بوضوح، حذراً ومترقباً على نحو يخلخل ثقته الفولاذية الصارمة.
ومصدر ذلك القلق هو «دود» (دين مارتن)، نائب تشانس السابق وسكير البلدة الحالي، الذي يقاتل للعودة من انهيار شهدته أعين الجميع.
يرمقه تشانس بعين ساهرة تجمع بين رعاية الأب وحذر الصديق المتوجس، وتلك اليقظة تلين صلابة وين لتمنحه بُعداً أكثر هشاشة وإنسانية مما تتيحه سمعته السينمائية المعهودة. إنه أحد أكثر أدواره إثارة للاهتمام في مسيرته الفنية تحديداً لأنه يتطلب منه أن يبدو غير واثق من نفسه.
ثم هناك شخصية «ستامبي» التي يؤديها والتر برينان، والتي تخطف الأضواء بكل المقاييس العادلة من تحت أقدام اثنين من ألمع نجوم هوليوود؛ فبخفته، وظرفه، وولائه الشديد، وتمرده الدائم على سلطة تشانس دون أدنى خنوع، يحيل ستامبي كل مشهد يظهر فيه إلى محرك كوميدي صغير ويبدو أن هوكس يعي ذلك جيداً، فيفسح له المجال لمناكفة وين بلا هوادة، دون أن يدع الفيلم ينزلق قط إلى الابتذال أو الهزلية الفجة.
هذه العلاقة هي في الواقع المفتاح الحقيقي لفهم بنية العمل؛ فـ Rio Bravo في جوهره فيلمان من أفلام «الرفقة» (Buddy Movies) يسيران بالتوازي. الأول هو محور تشانس-دود: قصة إنقاذ وخلاص، لرجل يحاول انتشال الآخر وتماسك هذا الآخر لفترة كافية تتيح له أن يتذكر من كان عليه في السابق، وهي حكاية تفيض رقة وعاطفة حقيقية تقبع خلف ادعاءات وخشونة أفلام الوسترن.
أما المحور الثاني فهو ثنائية تشانس-ستامبي: احتكاك كوميدي خالص، بين كهلين يكنّ كل منهما للآخر تقديراً عميقاً لا يعبران عنه إلا عبر السباب والمشاكسة. لا يخلط هوكس بين هاتين العلاقتين بقدر ما يراوح بينهما، مستخدماً كل واحدة منهما لتخفيف وطأة الأخرى فمسار دود يغذي الرهانات الشعورية، بينما يمثل ستامبي صمام الأمان لتفريغ التوتر والشحنات المكبوتة.
يجدر بنا أن نتذكر، ونحن نشاهد الفيلم اليوم، مدى تميز وجرأة بنية الدراما هذه؛ ففيلم وسترن يواصل إرجاء عنصر التشويق لحساب بناء الشخصيات، ويتخذ من وقفة السجن الدفاعية ذريعة لسبر أغوار الصداقة بدلاً من جعلها آلة لإشعال العنف ليس فيلم حصار بل هو «فيلم مؤانسة ورفقة» يرتدي حزام مسدس، وقد بلغ ذروة جودته بفضل هذا الاختيار تحديداً.





