يطل علينا فيلم فيم فيندرز الصادر عام 1984 محفوفاً بهالة من التبجيل شبه الإجماعي، فهو عمل متوج بجائزة السعفة الذهبية، وركيزة دائمة في قوائم أعظم الأفلام، ومرجع يستحضره النقاد كلما أرادوا وصف الجمال السينمائي الخالص.
وحين تشاهده يسهل عليك استيعاب سر هذا التبجيل، تماماً كما يسهل عليك أيضاً الوقوف منه على مسافة حياد متحفظة، ومن دون انغماس عاطفي.
يبدأ الفيلم برجل أبكم يخرج تائهاً من قلب صحراء تكساس، يجسده هاري دين ستانتون بسكون مطبق، يكاد يلامس جمود الطبيعة وتكويناتها الجيولوجية (ينطق بالكلمة الأولى عند الدقيقة 27)، وما يتلو ذلك انفراط تدريجي لخيوط القصة: عائلة محطمة، وزوجة مفقودة، ولقاء لا يتحقق إلا بعد نحو ساعتين من صمت شبه تام.
المصور السينمائي روبي مولر هو المؤلف الحقيقي للفيلم بألوان نيون مشبعة، وكوادر بصرية تذكرنا بلوحات الرسام إدوارد هوبر، وآفاق أمريكية شاسعة، صُوِّرت بشغف أوروبي مفتون بالأسطورة الأمريكية، فلم يكن فيندرز، وهو أحد أبرز رواد حركة السينما الألمانية الجديدة، يصنع فيلماً عن تكساس بقدر ما كان يصنع عملاً عن فكرة تكساس ذاتها، بعدما رُشحت عبر عين مراقب أجنبي يقف في الخارج.
تستحق نظرة المراقب الأجنبي الوقوف عندها والتأمل فيها؛ إذ قد تفسر لنا السبب وراء خروج المشاهد من الفيلم بحالة من الإعجاب والانبهار بدلاً من التأثر العاطفي الصادق، فالموسيقى التصويرية التي وضعها راي كودر بآلة «السلايد غيتار» (Slide-guitar)، والتي كثيراً ما تُصنف ضمن أعظم الموسيقات التصويرية في تاريخ السينما، قد تُحدث أثراً عكسياً لدى الأذن المتشككة: فبدلاً من أن تُعمّق المشهد، قد تبدو وكأنها إشارة ملزمة للشعور بشيء عجزت الصور عن إيصاله بمفردها، إنها تعلن عن الأهمية بدلاً من أن تولدها تلقائياً.
أما ذروة الفيلم العاطفية اعتراف ترافيس (ستانتون) لجين (ناستازيا كينسكي) من وراء الزجاج العاكس ذي الاتجاه الواحد في كابينة عرض مقصورة فعادة ما توصف بأنها أحد أعظم المونولوجات في تاريخ الفن السابع، ومن الصعب المجادلة في ذلك من حيث الحِرفية السينمائية البحتة، فالكاميرا تتأمل الكابينة الضيقة بدقة فائقة، تكاد تلامس الهوس، في حين جاء نص سام شيبارد مقتضباً وشاعرياً، غير أن قوة هذا المشهد هي ذاتها مكمن محدوديته؛ فقد بنى فيندرز وشيبارد ذروة الأحداث حول حاجز فاصل (لوح زجاجي بالمعنى الحرفي)، بحيث لا يستطيع الطرفان، حتى في لحظة المكاشفة وتصفية الحسابات، الوصول إلى بعضهما البعض بشكل كامل.
إنه خيار شكلي وأسلوبي متعمد، وهو في الوقت ذاته، بالنسبة لبعض المشاهدين، لبّ المشكلة بالضبط: فيلم عن تفكك أسري، يقدم أكثر مشاهده عاطفية عبر قنوات القيد، والمسافة، والأداء المصطنع. يمكنك بلا شك الإعجاب بالهندسة البصرية لذلك الخيار، من دون أن يمس وجدانك في شيء عند مغادرتك لشاشة العرض.
وهنا تحديداً يدعونا «باريس، تكساس» إلى المقارنة مع فيلمي طريق أمريكيين آخرين، بُنيا على الهيكل ذاته فيلم The Straight Story عام 1999 لديفيد لينش، ومن بطولة ستانتون أيضاً، وفيلم Nebraska عام 2013 لألكسندر باين.
يتتبع كلا العملين رجلين وحيدين يعبران مساحات أمريكية شاسعة نحو مواجهة وتصفية حسابات مع عائلة متباعدة، ويعتمد كلاهما على الصمت والبساطة الفطرية بدلاً من توالي الأحداث المثيرة، لكن في حين يُبقي فيندرز كاميرته مفتونة بالمشهد الطبيعي والأسطورة المتخيلة يظل لينش وباين وكلاهما أمريكيان لا ينظران برومانسية إلى بلادهما، التي يصورانها، بل يبقيان ملتصقين بالشخصية الإنسانية ذاتها.
ألفين ستريت وهو يتهادى ببطء عبر ربوع آيوا على متن جزازة عشب، أو نظرة وودي غرانت الشاخصة الخاوية من نافذة السيارة في نبراسكا المصورة بالأبيض والأسود، يكتسبان قوتهما لا من التكوين البصري، بل من القرب غير المتكلف من الندم.
لا يوجد لوح زجاجي يفصل المشاهد عن هذين الرجلين؛ فالكاميرا لا تقف لتتأملهما بإعجاب خارجي، بل ترافق روحهما ببساطة.
لا يقلل أيٌّ من هذا من شأن «باريس، تكساس» كونه إنجازاً تقنياً وتاريخياً رفيع فالأداء التمثيلي يظل استثنائياً، واللغة البصرية تظل ملهمة ومؤثرة حقاً، ومكانته في تاريخ السينما راسخة لا شك فيها، بيد أن الأهمية التاريخية والألفة الحميمة لا تقعان على المحور ذاته، فقد يكون الفيلم محبوكاً بدقة متناهية، ومصوراً بجمالية آسرة، ومؤدى ببراعة فائقة، ومع ذلك يُبقي جمهوره على المسافة الفاصلة ذاتها التي يضعها بين شخصياته.
ولعل مسألة تلقي تلك المسافة سواء اعتُبرت براعة فنية خالصة أم غياباً للشعور لا ترتبط بالذائقة الفردية بقدر ما ترتبط بنوعية الرحلة، التي يرغب المشاهد في خوضها داخل فيلم عن رحلة طريق.


