ما الفرق بين فيلم جريمة وفيلم «نوار» (نوار Noir يعني السينما المظلمة القاتمة بموضوعها ولقطاتها)؟ أبسط إجابة: ليس كل فيلم جريمة يتمتع بعناصر «نوار»، لكن كل فيلم «نوار» يحوي جريمة. المجرمون في أفلام الجريمة يعلمون أنهم مجرمون ويفخرون بذلك، بينما البطل في فيلم «نوار» قد يكون شخصاً صالحاً دفعته الظروف لارتكاب جريمة أو يرتكبها دون قصد.
في خنادق القاع متدنية التكلفة لما كان يُعرف بـ«حزام الفقر» (Poverty Row) في هوليوود، كانت الأفلام تُصنّع بالجملة وبالميزان، ولم يكن الهدف منها سوى ملء النصف الثاني من عروض الأفلام المزدوجة (Double Bills) قبل أن تبتلعها غياهب النسيان.
لم تكن شركة «بروديوسرز ريليسينغ كوربوريشن» تمتلك ميزانيات لبناء ديكورات متقنة، ولا ترف الجداول الزمنية الممتدة للإنتاج، ومع ذلك، وفي عام 1945، خرج من رحم الاستوديوهات الخلفية البائسة لتلك الشركة فيلم «طريق فرعي» (Detour)، وهو عمل صُوِّر في ستة أيام فقط وبميزانية زهيدة للغاية تراوحت بين 20 و30 ألف دولار.
كان الفيلم، بكل المقاييس الإنتاجية، عملاً رخيص التكلفة من الفئة الثانية (B-movie)، لكن ذلك لم يمنعه قط من شق طريقه نحو مصاف الخالدين، بوصه من روائع السينما الأساسية والمؤسسة لتيار «الفيلم نوار» في تاريخ أمريكا.
يكمن السر الخفي وراء فيلم «طريق فرعي» (Detour) بالكامل تقريباً في شخصية مخرجه، إدغار جي. أولمر. كان أولمر مهاجراً نمساوي المولد ولاجئاً فر من ظلال هتلر المتصاعدة في أوروبا، ومخرجاً يتمتع بموهبة فذة، وعمق فكري رفيع، وتدريب أكاديمي رصين.
وبفضل تتلمذه على يد عملاق المسرح ماكس راينهاردت، وعمله إلى جانب أساطير سينما جمهورية فايمار (1919- 1933) مثل إف. دبليو. مورناو وروبرت سيودماك، جلب أولمر معه إرثاً أوروبياً عريقاً إلى الشواطئ الأمريكية. ورغم نفيه إلى هوامش الإنتاج السينمائي منخفض التكلفة بسبب صراعات الاستوديوهات، إلا أنه نجح في تحويل الفقر المادي إلى شاعرية بصرية أخاذة.
شكّل أولمر جسراً سينمائياً حيوياً، ربط بين الرعب النفسي للتعبيرية الألمانية والملامح الحسية المميزة لسينما النوار الأمريكية في حقبة ما بعد الحرب: أنغام الجاز الدخانية، والاغتراب على رصيف الأسفلت، والشعور بالذنب المحتوم.
ولأنه حُرم من معدات الإضاءة المتطورة ومواقع التصوير الخارجية الشاسعة، اتكأ أولمر بشدة على التقنيات التعبيرية لإخفاء ميزانيته شبه المنعدمة؛ فأغرق مواقع التصوير بضباب مسرحي كثيف، وشق كوادر الكاميرا بظلال حادة تعتمد على التباين الشديد بين الضوء والظلمة، ووظّف لقطات مقربة ذاتية خانقة حوّلت سيارة مكشوفة رخيصة تقف أمام شاشة عرض خلفية إلى قفص وجودي محكم.
تلاشى العالم الخارجي تماماً، ليحل محله مشهد داخلي مفعم بالبارانويا والهلاك الحتمي. وفي قلب هذا الفخ يقبع آل روبرتس (توم نيل)، عازف بيانو في أحد نوادي نيويورك الليلية، يسرد عبر صوته الراوي رحلته عبر البلاد ليلتحق بحبيبته المغنية في هوليوود.
وعلى طول الطريق، تقوده وفاة غير مقصودة، وهوية مستعارة، ولقاء مشؤوم مع فيرا (آن سافاج) أكثر النساء الفاتكات (Femme Fatale) سمية وافتراساً في تاريخ السينما إلى الانحدار في دوامة مظلمة لا رجعة فيها.
إن ما يرتقي بفيلم Detour فوق مصاف الميلودراما البوليسية التقليدية هو الثقل الخانق لمفارقة بطله الساخرة، وهي واحدة من أكثر المفارقات حدة ومرارة في تاريخ سينما الـ«نوار».
روبرتس ليس مجرماً متمرساً يخطط لجرائمه، ولا وغداً جذاباً، بل هو رجل سلبي يرثى لحاله، ويرى نفسه مجرد متفرج بريء تسحقه قوى خفية خارج سيطرته. وتكمن المفارقة القاتمة في أن محاولات روبرتس المستميتة لتفادي الشبهات لا تزيده إلا إحكاماً لحبل المشنقة حول عنقه.
وحين يخنق فيرا بالخطأ عبر باب مغلق باستخدام سلك الهاتف، فإن ذلك لا يكتفي بعرقلته فحسب، بل يجرّد جبنه وسلبيته ليصنع منهما سلاحاً يفتك به. لقد غدا مذنباً بارتكاب جرائم قتل لم ينوِ اقترافها قط، لتقتص منه عدالة كونية تعامل سوء الحظ كجريمة تستوجب الإعدام.
في زمن عرض محكم لا يتجاوز 68 دقيقة، يجرد فيلم Detour تيار النوار ليصل به إلى جوهره العدمي الصرف وعظامه العارية. ومن خلال سيطرة رؤية أولمر الفنية على الظلال ومشاعر الرعب الكامن، تحول فيلم تجاري سريع وعابر إلى صرح خالد يجسد القلق الوجودي في السينما الأمريكية.




