بيروقراطية الخوف: العودة إلى «جيش الظلال».. رائعة المقاومة الفرنسية المنسية لجان بيير ميلفيل


في المشهد السينمائي العام، جرت العادة على رسم خطوط المقاومة إبان الحروب بلمسات عريضة ورومانسية من البطولات: مطابع سرية تطقطق آلاتها في ظلمة الليل، عمليات تخريب درامية لخطوط القطارات، وخطابات تحدٍّ وشموخ تُلقى في وجه الطغيان. غير أنه عندما أطلق جان بيير ميلفيل فيلمه «جيش الظلال» (Army of Shadows) عام 1969، جرد المقاومة الفرنسية من كل أساطيرها المؤطرة، ليستبدلها بشيء أكثر رعباً وإخافة بكثير: بيروقراطية باردة، وإكلينيكية، ولا ترحم مفهوم البقاء.
يتتبع الفيلم شخصية فيليب جيربييه (لينو فنتورا في أداء مهيب ذي صرامة حجرية)، وهو مهندس مدني يحتل موقعاً رفيعاً في إحدى خلايا المقاومة. ومن خلال عينيه، لا نرى مغامرة وطنية جليلة، بل نرى تمريناً مضنياً وشاقاً في شطرنج اللوجستيات.
فالعدو حاضر في كل مكان، لكنه نادراً ما يُرى بشحمه ولحمه؛ وبدلاً من ذلك، يتجسد الرعب كرهبة هادئة تحيط بالمكان، تملأ الفراغات بين الهمسات المتبادلة داخل مخابئ آمنة يكسوها الرمادي والأزرق الخافت.
إن ما يفصل «جيش الظلال» عن أي دراما تاريخية أخرى تقريباً هو تركيزه الدقيق — والاحترافي شبه المستقل — على آليات العمل السري وتقنياته. فميلفيل، الذي خدم بنفسه في صفوف المقاومة الفرنسية، كان يدرك أن حرب العصابات والخلايا السرية لا تدور حول إطلاق النار بقدر ما تدور حول البروتوكول والقواعد، بل تتعلق بالدقة المتناهية التي تُطوى بها الورقة، وبالقرار الخاطف الذي يتخذه المرء للتخلي عن رفيق درب، وبالوحدة المخدّرة التي يعيشها الفرد تحت وطأة أسماء مستعارة تتغير كدواليب الملاهي.
ولعل هذه الحقيقة الباردة لا تتجلى بصورة أكثر حدة وقسوة مما تتجلى في أكثر مشاهد الفيلم إيلاماً وحبساً للأنفاس: مشهد إعدام خائن شاب داخل منزل عطلات مغلق النوافذ. فعندما تكتشف الخلية أن مخبأها الآمن يفتقر إلى كاتم للصوت وأن إطلاق النار سينبه الجيران، يجد أفرادها أنفسهم مجبرين على خنق الفتى باستخدام منشفة.
يلتقط ميلفيل هذا المشهد بصبر مضنٍ ويُعرض في زمنه الحقيقي؛ فلا توجد هنا معزوفة موسيقية حماسية تتغنى بالانتصار، ولا ضغينة أشرار، بل مجرد أنفاس ثقيلة لرجال منهكين ينفذون ضرورة إدارية كئيبة. إن الكلفة الحقيقية للمقاومة، كما يراها ميلفيل، لا تكمن فقط في خسارة الأرواح، بل في التآكل الممنهج لإنسانية المرء نفسه في سبيل التغلب على الوحش.
وعند العرض الأول للفيلم عام 1969، كاد أن يُقبر تماماً بسبب الاضطرابات السياسية. فمع افتتاحه بعد عام واحد فقط من الاضطرابات المدنية التي شهدتها فرنسا في مايو 1968، أخطأ النقاد الفرنسيون — ولا سيما الأصوات النافذة ذات التوجه اليساري في مجلة Cahiers du Cinéma — في فهم الفيلم، واعتبروه صرحاً غولياً (نسبة لشارل ديغول) محافظاً يُخلد الحرس القديم. فقاطعوه، وفشل الفيلم في تأمين عرض سينمائي له في أمريكا؛ ليبقى ذابلاً في غياهب النسيان لعقود طويلة، تحفة سينمائية اختبأت في ذات الظلال التي جسدتها.
غير أن إحياء الفيلم وإعادة بعثه عام 2006 — بعد سبعة وثلاثين عاماً — قد غيّر مجرى التاريخ السينمائي؛ إذ أُعيد ترميمه وتوزيعه أخيراً في الولايات المتحدة، ولُقّب فوراً بالعمل الكلاسيكي الخالد، حيث حصد جوائز النقاد ورسخ مكانة ميلفيل ليس فقط كمخرج صاحب أسلوب في السينما السوداوية الفرنسية (French Noir)، بل كمهندس لأفلام الإثارة والتشويق الرفيعة.
إن الحمض النووي لفيلم «جيش الظلال» يجري عميقاً في شرايين السرد القصصي الحديث؛ فطرحه البارد للتنظيمات السرية ذات الرهانات العالية، والزلزلة النفسية القاسية لعزلة القيادة، وضعت اللبنات الأولى للغموض الأخلاقي في الدراما التلفزيونية الحديثة الفاخرة.
فعندما نتابع القرارات الهادئة والمحطمة التي يتخذها القادة في الأعمال الإجرامية المعقدة، أو نشاهد عالم الجاسوسية المباشر والمجرد من الرومانسية كما في فيلم Tinker Tailor Soldier Spy، فنحن في الواقع نشاهد إرث ميلفيل السينمائي. إنه يظل شهادة شامخة وصارمة تعكس الزوايا المظلمة والصامتة لقدرة التحمل البشرية.