كيف يفسد الضجيج طقوس السينما؟


كان كاتب هذا الموضوع في أحد أيام عام 2004 جالساً في السينما يشاهد فيلم Troy. جلس خلفه صبيان، الأول يسمي الثاني «حمُّود» والثاني يسمي الأول «عبُّود». كانا يتحدثان بصوت عالٍ ويعلقان على مشاهد الفيلم مع إطلاق ضحكات خفية.
لم تنفع نظرات العتب التي وجهها إليهما، إذ ظنا أنه استحسن نكاتهما على الفيلم الذي أفسداه عليه تماماً. «حمُّود» و«عبُّود» موجودان في كل الجنسيات وظاهرتهما عابرة للقارات.
فقد مر كاتب الموضوع بنسختيهما البريطانية في لندن عام 2019 أثناء فيلم Doctor Sleep، وكانت خلفه مجموعة مراهقين مزعجة جداً لم يتردد رواد الصالة في إطلاق «شووش» عليهم كلما علا صوتهم.
وبحكم متابعتنا لشؤون السينما فقد قرأنا عن تنامي الظاهرة في الصالات الأمريكية إلى درجة أن كاتب مقال مطبوعة سينمائية أمريكية كتب هذا العنوان: هل نشهد ظاهرة جديدة في الصالات الأمريكية؟
وأثناء قضاء الإجازة الصيفية في نيوزيلندا فتحنا صحيفة محلية لمعرفة أحوال ذلك البلد فوجدنا موضوعاً يشكو الظاهرة حتى في الصالات هناك.
وإذا لم يكن هناك «حمُّود وعبُّود» فستسمع صوت ذلك الذي يأكل فشاره بنهم ويشرب مشروبه الغازي من الأنبوب الذي إذا وصل لقاع الكأس الورقي يحدث صوتاً يسمعه آخر من يجلس في الصالة، ومهما استثمرت إدارة السينما في أحدث نظام صوتي محيطي فلن يفلح أبداً في حجب ذلك الصوت المزعج.
بعد عقد من تجربة فيلم Troy، جاء المطورون العقاريون الذين شيدوا مولات دبي الجميلة بفكرة الصالة السينمائية الفاخرة. وهي صالة مطعم تتناول فيها غداءك وعشاءك أثناء مشاهدة الفيلم.
نجحت الصالات الفاخرة إلى حد لافت في تحييد ظاهرة الثرثرة لأن هذه النماذج لا تقصدها، ولأن المقاعد الوثيرة متباعدة فلو تحدث شخص خلفك فقد لا تسمعه كما تسمع الجالس خلف أذنيك مباشرة في صالة عادية.
لكن جاءت الصالات الفاخرة بمشكلة لم تكن في الحسبان، إذ بسبب الطلبات المتعددة في الصالة الواحدة يدخل النادل أو النادلة إلى الصالة ويخرج منها ما قد يفوق العشرين مرة أثناء الفيلم الواحد. وهو ما يشوش الفيلم بشكل كبير، فضلاً عن رائحة البرغر والباستا التي تفوح وتخرجك من أجواء الفيلم تماماً.
قبل 30 عاماً، كان لصالة السينما حصتها المألوفة من الجلبة، همسة هنا، أو ضحكة ترتفع نبرتها قليلاً هناك؛ ضريبة طفيفة تُدفع لقاء تجربة تظل متماسكة في جوهرها.
تؤكد إيلين سوان، مؤسسة «مدرسة سوان للبروتوكول» ومؤلفة كتاب Let Crazy Be Crazy، في تصريح نقلته مجلة «ريدرز دايجست»:
«تكتسب آداب ارتياد صالات السينما أهميتها من كونها تضمن تجربة ممتعة لكل من حولك، فاللياقة تحول دون تشتيت الانتباه، بما يتيح للمشاهدين الذين دفعوا في نهاية المطاف مقابلاً لقاء هذه التجربة: الاستمتاع بالفيلم على أكمل وجه».
أما اليوم، وفي القاعة التقليدية، فقد تحولت تلك الهمسة إلى تعليق مستمر لا ينقطع. بات الناس يتحدثون طوال عرض الفيلم، لا بمعزل عنه، وكأنهم يفعلون ذلك بسببه، يسردون لبعضهم مسارات الحبكة لحظة بلحظة، وكأن الغاية من المشاهدة الجماعية توقفت عن كونها صمتاً مشتركاً لتغدو ضجيجاً متقاسماً.
لم تأتِ هذه العادة من فراغ؛ بل هي الغريزة ذاتها التي تغذي مساحات التعليقات الرقمية تلك الرغبة القهرية في إبداء رد الفعل علناً وفوراً، بدلاً من التريث مع التجربة وتركها تأخذ مداها واستقرارها في النفس. لقد نقلنا تلك الغريزة إلى غرفة مظلمة شُيدت في الأصل لتكون نقيضاً تاماً لها.
هناك نوع واحد من الصالات نجا من هذه الظاهرة، وهي صالات أفلام النخبة (غير التجارية) التي يحرص هذا الكاتب على ارتيادها كلما ذهب إلى لندن، خصوصاً تلك الواقعة خلف ساحة بيكاديلي وفيها اكتشف روائع الأعمال العالمية والأمريكية المستقلة (غير هوليوود).
الجمهور ساكن والصمت مطبق ولا أحد يتناول الفشار ولا صوت هاتف ولا حتى شاشة جهاز مضيئة وكأن الجميع متفقون على حقيقة واحدة: هذا المكان هو الملجأ الأخير لعشاق السينما الأصيلة.