قلّما تجد في تاريخ السينما استهلالاً يضاهي الجرأة المطلقة لفيلم النوار الكلاسيكي D.O.A عام 1950 للمخرج رودولف ماتيه؛ إذ يدخل رجل رث الثياب يتصبب عرقاً إلى قسم التحقيق في جرائم القتل بشرطة لوس أنجلوس، ليلقي واحدة من أكثر الجمل خلوداً في أدب الجريمة والسينما: «أريد الإبلاغ عن جريمة قتل... ضحيتها أنا».
ما يعقب ذلك هو فكرة حبكة بالغة البراعة والذكاء: إذ تتكشف الرواية بأكملها كلغز محكوم بساعة موقوتة يُروى عبر استرجاعات زمنية (Flashbacks) ممتدة.
يكتشف فرانك بيغلو (إدموند أوبراين)، المحاسب القادم من بلدة صغيرة، أنه قد دُسَّ له «سُمٌّ مشع» وهو سُمٌّ قاتل لا رجعة في مفعوله ولا ترياق له.
لم يعد أمامه سوى بضعة أيام، وربما ساعات معدودة، ليعيشها. ولا يكمن اللغز في قدرة بيغلو على إنقاذ نفسه، بل فيما إذا كان هذا الميت الحي السائر على قدميه قادراً على كشف من أراد التخلص منه ولماذا، قبل أن ينهار جسده ويتوقف عن العمل.
تكمن العبقرية الهيكلية لفيلم D.O.A. في تحوله النغمي والمزاجي المباغت؛ فحين يبدأ الاسترجاع الزمني في بلدة بانينغ بولاية كاليفورنيا، ينحاز الفيلم إلى إيقاع خفيف ومفاجئ، يكاد يلامس الطابع الكوميدي والمرح.
يظهر بيغلو كرجل عادي يشعر بالاختناق من قيود الالتزام العائلي والمنزلي، فينطلق في رحلة هروب وعزوبية إلى سان فرانسيسكو؛ حيث الأحاديث والممازحات العفوية المرحة، وصافرات الغزل والإعجاب بالنساء المارات، والأجواء الاحتفالية الصاخبة داخل نادٍ لموسيقى الجاز يعبق بالدخان.
تلك الخفة والمرح الأوليان يجعلان الانهيار اللاحق أكثر وقعاً وصدمة؛ ففي اللحظة التي يتلقى فيها بيغلو تشخيصه القاتل من طبيب متجهم الوجه، ينفض الفيلم عنه رداء الكوميديا ويتحول إلى كابوس واقعي مشحون بالتوتر والقتامة.
يغوص ماتيه وهو مدير تصوير بارع سبق له تصوير تحفتي Gilda - تحت إدارة تشارلز فيدور وForeign Correspondent تحت إدارة ألفريد هيتشكوك- بالكاميرا في لقطات محمومة محمولة باليد على مستوى الشارع، وظلال معتمة.
ويجسد ركض بيغلو المذعور في شوارع سان فرانسيسكو الصاخبة هلعاً وذعراً وجودياً خالصاً. ومع تفكيكه لخيوط مؤامرة معقدة كالمتاهة تنطوي على إيريديوم مسروق وفواتير بيع مزورة، لا يؤدي أوبراين شخصية بيغلو كمحقق خاص متمرس وواثق، بل كرجل عادي مذعور يتصبب عرقاً وتتقطع أنفاسه مع نفاد وقته.
ترك فيلم D.O.A. بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما، مرسخاً ثيمة «الرجل الذي يعيش على وقت مستعار». ويتردد صدى جيناته الفنية عبر عقود من أفلام الإثارة والتشويق؛ حيث ألهم بوضوح الإيقاع العالي المشحون بالأدرينالين لفيلم Crank عام 2006، فضلاً عن النسخ المعاد إنتاجها مباشرة مثل الفيلم الذي قام ببطولته دينيس كوايد عام 1988.
وبات ابتكار ماتيه بالاستهلال من نقطة النهاية والتعامل مع الحبكة بوصفها اعترافاً لرجل يحتضر— مرجعاً أساسياً للسرد السينمائي غير المباشر. Non Linear
أُعيدت زيارة هذه الفكرة في النسخة المستقلة للمخرج كيرت سانت توماس، والتي وصلت إلى منصات البث التدفقي أواخر عام 2023. وبطولة أيقونة موسيقى البانك جون دو (عضو فرقة X) في دور بيغلو، مع نقل الأحداث إلى الخلفية التاريخية الرطبة لمدينة سانت أوغسطين بولاية فلوريدا، تسلك نسخة عام 2023 مساراً سينمائياً مختلفاً تماماً.
ففي حين تتألق النسخة الأصلية لعام 1950 بحركيتها الحضرية الصاخبة وحالة الذعر الخالص، تأتي المعالجة الحديثة كعمل تأملي بطيء الإيقاع يركز على خلق الأجواء والحالة المزاجية.
صُوِّر الفيلم الأحدث بالأبيض والأسود عالي التباين، مستبدلاً ذلك الرعب المحموم الممزوج بموسيقى الجاز لدى ماتيه بمسحة من شجن «البلوز» والإنهاك من العالم وتقلباته؛ إذ يجسد جون دو شخصية بيغلو كمحقق خاص منهك بالفعل، بدلاً من محاسب ينهشه الهلع، مما يمنح نسخة 2023 إيقاعاً هادئاً.
ومع ذلك، تظل نسخة عام 1950 الأصلية هي المرجع والمعيار النهائي؛ فبكسره لقواعد روايات وأفلام الجريمة والغموض التقليدية وتحويله الضحية إلى المحقق ذاته، يقدم فيلم D.O.A. إثارة حسية لا تفقد وقعها أو طابعها الملح والمشدود أبداً.






