حكاية حشرتان: كيف تطور الرعب في ملحمة «ذا فلاي»

في هذا العصر الذي غالباً ما تكون فيه النسخ المقتبسة مجرد استنساخ مفرغ من الروح وقائم على وصفات جاهزة لملكيات فكرية مضمونة الربح سلفاً، يبدو فيلم The Fly اليوم أكثر استثنائية وإبهاراً من أي وقت مضى.

لا يكمن السؤال في الكيفية التي ابتكروا بها ذلك المكياج المرعب الحائز على جائزة الأوسكار (بقيادة رائد المؤثرات و مخلوقات الأفلام كريس والاس) في فيلم The Fly، «الذبابة» بل في السبب الذي يجعل هوليوود عاجزة اليوم عن تقديم نسخ مقتبسة (Remakes) بهذا المستوى.

في هذا الاقتباس الحر عن قصة جورج لانجيلان القصيرة، وإعادة الإنتاج لفيلم عام 1958 الذي قام ببطولته فنسنت برايس، يعيد الكندي ديفيد كروننبرغ -المتخصص في أفلام رعب الجسد- Body Horror صياغة المفهوم ببراعة فائقة، ليصنع منه فيلم رعب ينبض بروح ثمانينيات القرن الماضي ويشتبك مع هواجس عصره غير أنه حافظ على سطوته وقوته، ليبقى صداه يتردد عبر تاريخ سينما الرعب تماماً كعبارته الترويجية الأيقونية التي أعادت تعريف هذا النوع: «خَفْ... خَفْ كثيراً». وهي الجملة التي نطقت بها جينا ديفيس، عشيقة البطل التي تحمل في أحشائها جنيناً من هذا الكائن الهجين بين الإنسان والذبابة.

يبتكر العالِم سيث براندل (جيف غولدبلوم) وسيلة للانتقال الآني عبر «كبسولات انتقال» (Telepods) قادرة على نقل الأجسام فورياً من كبسولة إلى أخرى. وأثناء ذلك، يتعرف إلى الصحفية فيرونيكا «روني» كوايف (جينا ديفيس) ويقع في حبها، قبل أن تحمل بطفله.

وبعد أن تمزقت بعض قردة البابون وتحولت أحشاؤها إلى الخارج، يُجري براندل التجربة على نفسه بـ «الانتقال عبر الكبسولة» دون أن يدرك وجود ذبابة برفقته في الداخل. تدمج الكبسولتان الإنسان بالحشرة معاً، ليخرج براندل بقدرات تكاد تكون خارقة للطبيعة متمتعاً بقوة مستجدة وشهية لا تشبع للسُكر والجنس على حد سواء قبل أن يبدأ بالخضوع لتحول وحشي مروع.

تتساقط أجزاء جسده الزائدة تباعاً — حيث تظهر خزانة الحمام وهي تعرض قطعه المتساقطة في لقطة عابرة وخاطفة تكاد تفوت المشاهد لو رمش بعينيه قبل أن يتحول أخيراً إلى مسخ هجين جديد: رجل ذبابة.

بدأت فكرة إعادة إنتاج فيلم The Fly مع الكاتب تشارلز إدوارد بوغ، بعدما اقترحها عليه مدير أعماله. ففي نسخة عام 1958، يخرج العالِم (ديفيد هيديسون) من تجربة الانتقال الآني برأس ذبابة وذراعها، تاركاً زوجته (باتريشيا أوينز) وشقيقه (فنسنت برايس) في رحلة بحث عن ذبابة تحمل رأس إنسان.

كان العمل يقدم متعة هزلية إلا أن الكثيرين أخذوا الفيلم على محمل الجد خصوصاً بعد المشهد الأخير حين علقت الذبابة ذات الرأس البشري في شبكة عنكبوت وهي تصرخ مستغيثة: «أنقذوني!».

حتى مع المؤثرات التطبيقية المتواضعة في خمسينيات القرن الماضي، فإن الرعب الخالص لكائن بشري ضئيل وعاجز محاصر داخل شبكة عنكبوت واقع كلياً تحت رحمة الطبيعة وقسوتها يظل مفهوماً مزعجا للغاية.

بلور بوغ نسخة مُعاد تصورها بالتعاون مع المنتج ستيوارت كورنفيلد، وقررا استبدال رعب «تبادل الرؤوس» بفكرة التحول التدريجي البطيء.

وكان ديفيد كروننبرغ مرشحاً في الأصل آنذاك لإخراج فيلم Total Recall الذي تعثر طويلاً في مرحلة التطوير، وحين انهار ذلك المشروع، تواصل معه المنتج ميل بروكس (نعم، هو نفسه ميل بروكس الشهير) حاملاً سيناريو بوغ.

أصر كروننبرغ على إعادة كتابة النص بنفسه، لكنه ظل ينسب الفضل دائماً لبوغ في إعادة صياغة الفكرة بوصفها تحولاً بيولوجياً متدرجاً. وقال كروننبرغ لاحقاً: «تفاصيل مثل تساقط الأظافر، وفكرة اكتسابه لقوة خارقة... كانت مذهلة حقاً».

في نسخة كروننبرغ، لا ينقص براندل سوى درجة واحدة فقط ليضاهي «فرانكنشتاين» على مقياس العلماء المجانين؛ فهو يعلم أن الانتقال الآني سيغير وجه العالم، مع أن دافعه الأساسي شخصي وذاتي إذ يعاني من دوار الحركة والسفر ولذلك يريد إبقاء الأمر طي الكتمان في البداية.

غير أنه لا يُشحن بالغطرسة المطلقة ذلك النوع من الغرور الأعمى الذي أودى بالعديد من العلماء المجانين إلا بعد أن يخوض التجربة بنفسه ويوقن أنه انبعث ككائن متفوق.

وبطبيعة الحال، فإن السعي وراء الكمال والغرور يُعاقبان دوماً بأبشع الطرق الممكنة في سينما «رعب الجسد»، تماماً كما حدث مع شخصية الممثلة التي أفل نجمها وجسدتها ديمي مور في فيلم The Substance عام 2024.

فيلم The Fly كابوس وجودي تجسد لحماً ودماً، وتثير أكثر لحظاته رسوخاً في الذاكرة اشمئزازاً.

تأمل مشهد براندل وهو يقتلع أظافره وأسنانه بيده، أو يتقيأ فوق طعامه قبل أن يعيد امتصاصه، أو يكسر معصم رجل.. أو ذلك المشهد الكابوسي لروني وهي تلد يرقة ضخمة بحجم رضيع كلها مشاهد تسبب نفوراً شديداً.

صُوِّر فيلم The Fly في مدينة تورونتو، مسقط رأس كروننبرغ، وخضع لجدول تصوير مرهق وشاق، وكان وقعه أشد وطأة على غولدبلوم، الذي كان يقضي ما يصل إلى 5 ساعات في تثبيت المكياج ولصقه على وجهه وجسده تليها ساعة أخرى لقشطه وإزالته بالكامل.

والمفارقة الطريفة أن غولدبلوم لم يرتدِ المكياج والبدلة الكاملة سوى مرة واحدة فقط خلال سلسلة من اللقطات التجريبية قبل تصوير مشهده الأول، والذي كان يتطلب منه القفز عبر نافذة لاختطاف روني؛ فكان عليه أن يكتشف كيفية التمثيل والأداء بتلك البدلة على عجل ودون تحضير مسبق.

عرض كروننبرغ دور براندل على العديد من كبار الممثلين، وكان غولدبلوم الوحيد الذي لم يتردد أو يخشَ خوض تجربة الأداء تحت طبقات المكياج (Prosthetics).

ومع ذلك، احتاج غولدبلوم إلى جلسات تدريب على النطق ليتمكن من التحدث بوجود المكياج والأسنان الاصطناعية، لكن يكفيك أن تشاهد مونولوجه الهذياني حول «سياسة الحشرات» لترى درساً استثنائياً في فن التمثيل تحت الأقنعة؛ إذ يقول لروني: «أنا حشرة حلمت بأنها إنسان وأحبت ذلك الحلم... لكن الحلم انتهى الآن، واستيقظت الحشرة».

ورغم أن مؤثرات المسخ هي نجم العرض بلا منازع، فإن الفيلم ما كان لينجح لولا وجود غولدبلوم قابعاً تحتها؛ فأداؤه بحد ذاته يعد تحولاً مذهلاً، حيث جسد كل مشهد جديد وكأنه مرحلة مختلفة من مراحل التحول البيولوجي بإيقاعات متغيرة باستمرار في نبرة الصوت وحركة الجسد، وطبقات متجددة من الرعب النفسي لتتحول نبرة غولدبلوم وإيقاعه الحركي الغريب والمميز إلى وحشية متشنجة.

ولا يُقصد من ذلك التقليل من شأن إبداع كريس والاس في المؤثرات؛ فمجرد المشهد الختامي لفيلم The Fly حين تنتزع فيرونيكا فك براندل دون قصد، لتبدأ مرحلة تحوله الأخيرة الصادمة التي ينشق فيها رأسه ليغدو «براندلفلاي» تطلب استخدام العديد من الدمى والتحريكات الآلية.

حقق الفيلم عند طرحه في 15 أغسطس 1986 أكبر نجاح في مسيرة كروننبرغ حتى ذلك الحين، وما يزال أكثر أفلامه دراً للأرباح. وبات تأثيره ملموساً في كل مكان، وكان أحدثها في Spider-Man: Brand New Day ومشاهد بيتر باركر وهو يصارع الإفرازات اللزجة المنطلقة من معصميه مع ازدياد صفاته الشبيهة بالعنكبوت.

وتفيد تقارير بأنه كانت هناك خطط في وقت ما لإنتاج فيلم كامل لشخصية «سبايدرمان» على غرار The Fly، غير أن مبتكره المشارك ستان لي خشي أن ينفر جمهور «سبايدي» من رعب الجسد الصادم.