في المشهد المزدحم لأعمال الخيال العلمي الزمني المعاصرة، يبرز مسلسل Shining Girls (فتيات لامعات) المعروض على منصة +Apple TV، لا لمدى وضوح تفسيره للسفر عبر الزمن، بل للعمق الذي حوّل به هذا المفهوم إلى سلاح فتاك.
تقود العمل إليزابيث موس في دور «كيربي»؛ وهي ناجية تطارد معتديها وسط واقع يتبدل باستمرار. يكسر المسلسل القواعد المعتادة لأفلام الخيال العلمي، حيث يتعامل مع التلاعب بالزمن كأداة لتجسيد الصدمة النفسية (Trauma) لا كمجرد لغز فكري بحت.
ومن خلال ترسيخ فكرته الفلسفية المعقدة في دراما شخصيات حية وملموسة، يقدم العمل حبكة إثارة يبدو فيها الكون ذاته غير مستقر، محولاً مسيرة الزمن ذاتها إلى سلاح يبعث على القلق والاضطراب.
في القلب البنيوي لهذا الاضطراب يكمن قرار ترسيخ بوابة الزمن داخل منزل غامض ومبهم وهي ضربة عبقرية سردية بامتياز؛ فبدلاً من الاعتماد على آلات الكروم المصقولة، أو الثقوب الدودية الكونية، أو معدات المختبرات اللامعة، يغرس مسلسل Shining Girls بوابته الزمنية داخل مسكن موحش ومتبدل على مرأى من الجميع.
يحول هذا الإطار المنزلي الفيزياء النظرية المجردة إلى رعب محمل بالأجواء الخانقة؛ فالمنزل ليس مجرد بوابة بين العقود، بل يعمل كملتقى مشؤوم يفرض ثمناً باهظاً ومروعاً، ويبدل معالم الواقع في كل مرة تُعبر فيها عتباته.
ومن خلال جعل مبنى يومي مألوف مصدراً للتلاعب بالزمن، يطرح المسلسل فكرة أن الظواهر المرعبة لا تنبع من مجرات بعيدة، بل ترقد بهدوء في شوارع أحيائنا.
وبالنسبة لـ «كيربي»، التي يتشوه واقعها الشخصي باستمرار مغيراً حيواناتها الأليفة، وتصميم شقتها، وحتى علاقاتها الإنسانية بين عشية وضحاها— يمثل هذا المنزل انقلاباً مرعباً لمفهوم البيت كملاذ آمن.
قرار المسلسل بإرجاع الخط الزمني إلى دمار الحرب العالمية الأولى يرتقي بشخصية الشرير «هاربر كيرتس» ( جيمي بيل بأداء بارد ومتحفظ يقشعر له البدن) إلى ما هو أبعد بكثير من مجرد قاتل متسلسل نمطي؛ فغرس أصول «هاربر» في الخنادق الموحلة لأوروبا يضفي طبقة معقدة من الصدمة التاريخية والعمق على شخصيته.
ليس «هاربر» عبقرياً إجرامياً يستعرض سيطرته على الزمن، بل هو رجل محطم ومرير من مطلع القرن العشرين، مُنح سلطة مطلقة غير مستحقة للتحكم في مصائر النساء عبر عقود متباعدة.
تمنح صدمة الحرب العالمية الأولى وقتامتها دوافعه الشريرة سياقاً تاريخياً: إنه أثر باقٍ من حقبة محطمة، ينقل ذلك الاستحقاق الذكوري السام والعتيق إلى العصور الحديثة.
وهذا الامتداد التاريخي هو ما يجعله مرعباً بحق؛ فهو لا يطارد ضحية واحدة في عصر بعينه، بل هو شبح يتسلل عبر شقوق قرن كامل من الزمان، سالباً النساء طاقاتهن ومستقبلهن الواعد، بينما يظل هو محصناً تماماً ضد تقلبات الزمن ومروره.
تقدم إليزابيث موس في مسلسل Shining Girls أداءً يُجسد الآليات النفسية للصدمة خارجياً، محولةً الارتباك الناجم عن الخيال العلمي المعقد إلى تجربة إنسانية حية وملموسة بعمق.
وبدلاً من الاتكاء على الميلودراما الفجة، ترسخ موس شخصية «كيربي» في حالة من اليقظة والترقب الحذر الهادئ (Hypervigilance)، موظفةً تحولات جسدية وسلوكية دقيقة لتصوير عقل يُجبر باستمرار على التشكيك في ثوابت واقعه وإدراكه.
غالباً ما يُصوَّر التلاعب بالعقول (Gaslighting) في السينما من خلال سجالات وجدالات خارجية، غير أن «موس» تجسده كرد فعل انعكاسي داخلي وجسدي.
ولأن «هاربر كيرتس» يبدل الزمن ويعيد كتابة حياة «كيربي» دون سابق إنذار، تصبح بيئتها المحيطة بأكملها هي الممارس لهذا التلاعب بإدراكها وعقلها.
بينما يتعامل المسلسل الألماني Dark مع السفر عبر الزمن كشبكة حتمية معقدة من الأسباب والنتائج، ويؤطر مسلسل Loki من عالم مارفل الزمن بوصفه مشروعاً إدارياً بيروقراطياً، يجرد مسلسل Shining Girls هذا المفهوم من أي انفصال فكري إذ يرفض المنطق الأنيق للحلقات الزمنية (Time loops) ليغوص في التجربة الإنسانية المتمثلة في إعادة كتابة واقع المرء قسراً.
ومن خلال تفضيل الحقيقة العاطفية على القواعد الميكانيكية الجافة، يعيد Shining Girls ابتكار هذا النوع الفني مقدماً دراسة آسرة ومؤرقة حول العنف، والصمود، والذاكرة.



