تمتد ثلاثة أفلام عبر 65 عاماً تحت عنوان The Housemaid (الخادمة)، غير أن سلالاتها الفنية تروي قصتين مختلفتين تماماً. فبينما يُعد الفيلم الكوري الجنوبي لعام 2010 إعادة إنتاج مباشرة لتحفة السينما الكورية الصادرة عام 1960، لا يشترك الإصدار الأمريكي لعام 2025 مع سلفيه سوى في العنوان؛ إذ يمثل هذا العمل الهوليوودي المعاصر اقتباساً لرواية فريدا مكفادين الأكثر مبيعاً والصادرة عام 2022.
يأتي فيلم 2025 بتوقيع المخرج بول فيغ مدعوماً ببريق نجومي عالي المستوى، تقوده سيدني سويني وأماندا سيفريد. ينطلق العمل بوصفه لعبة نفسية مشوقة تتمحور حول السيطرة، وموازين القوى، وتبدل المفاهيم والإدراك.
وفي البداية، يبني فيغ أجواءً متوترة تحيط بالفوارق الطبقية والدوافع المنزلية الدفينة، غير أن الفيلم، في منتصف مدة عرضه، يتخلى عن غموضه النفسي الثري لصالح بنية سردية تقليدية مدفوعة بالتحولات والمفاجآت غير المتوقعة.
ومن خلال استبدال التوتر للشخصيات بتقلبات حبكة مفرطة في التصنع، يفرغ الفيلم أسراره من عمقها، محولاً فكرته الأولية المثيرة للاهتمام إلى عمل متوقع.
يعمل الفيلم الكلاسيكي الكوري الجنوبي الأصلي لعام 1960، للمخرج كيم كي-يونغ، على موجة سينمائية مختلفة تماماً؛ فبدلاً من التسرع في شرح عالمه وتفسيره، يبني «كيم» التوتر عبر شعور متواصل بعدم الارتياح، ورهاب الأماكن المغلقة (Claustrophobia)، وإحكام السيطرة النفسية المطلقة.
وخلافاً لنسخة 2025 التي تبدأ بالغموض لتنتهي بتبسيط وتفسير كل تفصيلة بحلول الفصل الثالث، تظل التحفة الأصلية لعام 1960 فوضوية، وجامحة بإصرار؛ إذ لا تقدم أي تفسيرات واضحة، ولا تصطحب المشاهد في رحلة سردية مريحة، ولا تبذل أي محاولة لإشعاره بالأمان. يوظف «كيم» المنزل الضيق متعدد الطوابق ذاته كشخصية قائمة بذاتها؛ إذ يتحول الدرج إلى فكرة بصرية متكررة ترمز إلى السلطة والانحدار، محولاً الهندسة المعمارية للمنزل إلى شَرَك وفخ نفسي خانق.
يبدو العمل في ظاهره عن خادمة تُزعزع استقرار عائلة من الطبقة المتوسطة، لكنه ينطوي في جوهره على قلق دفين إزاء التصنيع السريع في كوريا، وهشاشة المكانة البرجوازية التي نالتها تلك الطبقة حديثاً.
يتأرجح العمل بين الواقعية الاجتماعية، والرعب والهجاء الساخر الأسود دون أن يستقر على قالب واحد، وهو ما يفسر جزئياً بقاءه محتفظاً بطابعه القلق وعصيانه على التوقع حتى بعد مرور ستة عقود. وقد أشار «بونغ جون-هو» مراراً وتكراراً إلى الفيلم بوصفه مصدر إلهام وتأثير مباشر على تحفته Parasite (طفيلي) عام 2019 (أوسكار أفضل فيلم لذلك العام) لا سيما توظيف الدرج كاستعارة مجازية للفوارق الطبقية، وفكرة تسلل شخص غريب واختراقه لمنزل عائلة مستقرة.
يحمل فيلم «كيم» 1960 طابعاً مسرحياً غريب الأطوار ومبالغاً فيه هي سمة أسلوبية ميزت الميلودراما في منتصف القرن الماضي ومع ذلك يظل جريئاً بلا خوف.
وفي مشهد ختامي أسطوري يكسر «الجدار الرابع» سينمائياً، ليتحول الفيلم فجأة في نبرته من الرعب النفسي المتواصل إلى كوميديا سوداء لاذعة؛ حيث يتقدم بطل الفيلم نحو الكاميرا ليخاطب الجمهور مباشرة بمونولوغ متهكم حول الإغواء وضعف الرجال كبيان ختامي مستفز يُلقى وكأنه حقيقة كونية مزعجة موجهة لكل رجل يجلس في صالة العرض المظلمة.
المونولوغ قصد أن يكون مضحكاً وكأنه استفاقة إجبارية لمن غرق في سوداوية الفيلم، بل كأن الفيلم يسخر من أولئك الذين اندمجوا في كآبته وقد يدفع بعض المشاهدين من الرجال إلى إطلاق ضحكة عالية. وتستوقفنا هذه النقطة إذ إن الفيلم يوصل رسالته بشكل تهكمي مبتعداً عن أسلوب المحاضرات الجامد، ونتحدث هنا عن جرأة قلما نجدها في آخر خمسينات العقد الماضي وبالأبيض والأسود وليس فيلماً حديثاً بالألوان.
هذا الأسلوب تحديداً يجعل المشاهد يضحك لأن المونولوغ كتب بطريقة بها جرعة ألفة كبيرة لأن البطل كيم جين كيو يؤديه وكأنه يتحدث إلى صديق. وبعد نصف قرن، تصدى المخرج إيم سانغ-سو لتقديم النسخة الرسمية المعاد إنتاجها عام 2010. ومن خلال رؤية بصرية مذهلة وضبط متقن ومحكم، يحول هذا التحديث المعاصر رعب الأماكن المغلقة في العمل الأصلي إلى نقد مصقول للثراء الفاحش والطبقة الأرستقراطية الحديثة.
ومع ذلك تبدو الشخصيات داخل هذه البيئة كرموز تجريدية أكثر من كونها بشراً من لحم ودم؛ إذ تظل دوافعهم باردة وبعيدة، ما يجعل تصرفاتهم المتطرفة صعبة الاستيعاب، ويحد في نهاية المطاف من الأثر العاطفي للفيلم.

