لماذا يشرب الأشرار الحليب في الأفلام؟

في السينما، بعض التفاصيل الصغيرة تعيش أطول من الحوار نفسه، مثل نظرة في المرآة أو قفاز لا يُخلع أو كرسي فارغ أو حتى كوب حليب في يد شخص لا نشعر نحوه بالارتياح.

الحليب تحديداً صار واحداً من أغرب هذه التفاصيل، فيظهر عند أليكس في «البرتقالة الآلية»، وعند أنطون شيغور في «لا وطن للعجائز»، وعند هانس لاندا في «أوغاد مجهولون»، ويعود بشكل أكثر غرابة مع هوملاندر في «ذا بويز»، وفي كل مرة تقريباً نتساءل داخلياً لماذا يبدو المشهد أكثر توتراً بسبب الحليب؟

السبب مرتبط بالصورة التي نحملها عن الحليب قبل أن يظهر على الشاشة، فهو متعلق بالطفولة، والبيت، والرعاية، والهدوء، ويعد شيئاً مألوفاً إلى درجة أننا لا ننتبه إليه عادة، لذلك عندما يضعه المخرج في يد شخصية قاسية أو مضطربة، يحدث خلل بصري بسيط، فالصورة لا تتطابق مع الشخص، وهنا يبدأ القلق.

وتناولت الباحثة فيونا ويلكس من جامعة أستراليا الغربية هذا التكرار في السينما، ولفتت إلى أن الحليب يعمل بقوة لأنه يأتي محملاً بإشارات إلى البراءة والأمومة والطفولة، وهذه المعاني لا تختفي عندما يمسك به الشرير، فالذي يحدث هو العكس تماماً وهو أن هذه المعاني تتصادم مع الشخصية الشريرة التي لا تتحلى بهذه المفاهيم أمامنا. 

وفي «أوغاد مجهولون»، يعرف كوينتن تارانتينو جيداً كيف يستغل هذا التصادم، فيدخل هانس لاندا منزل مزارع فرنسي ويطلب الحليب، ثم يجلس، يشربه بهدوء، يبتسم، ويتحدث بأدب شديد، وكل شيء في المشهد يبدو مألوفاً، لكن التوتر يتصاعد من دون أن يحتاج الفيلم إلى أي حركة كبيرة، فالحليب هنا جزء من الأداء نفسه فهو يجعل لاندا يبدو أكثر تهذيباً مما ينبغي، وأكثر راحة مما ينبغي، وهذا ما يجعل حضوره مزعجاً.

الممثل كريستوف فالتز تحدث لاحقاً عن المشهد من زاوية قريبة من هذه الفكرة، مشيراً إلى أن المهم ليس اعتبار الحليب "رمزاً للشر" بحد ذاته، وإنما المسافة بين الفعل البسيط وبين طبيعة الشخصية، وهذه ملاحظة مهمة لأن السينما لا تعمل دائماً كمعادلة مباشرة، فأحياناً يكفي التناقض من دون أن يكون هناك تفسير واحد نهائي.

وفي «لا وطن للعجائز»، يستخدم الأخوان كوين الحليب بطريقة مختلفة قليلاً، فيدخل أنطون شيغور إلى منزل شخص آخر، يفتح الثلاجة ويشرب الحليب، ولا توجد مبالغة في المشهد، وهذا بالضبط ما يجعله فعالاً.

فنرى أن شيغور يتصرف كأن المكان صار بيته وملكه للحظة، والحليب هنا يصبح جزءاً من فكرة السيطرة الهادئة، فشيغور لا يحتاج إلى إعلان وجوده، حيث يكفي أنه مرتاح في مساحة لا تخصه.

أما «البرتقالة الآلية»، فيجعل الحليب نفسه جزءاً من عالم الفيلم، فأليكس ورفاقه يشربون «الحليب بلس»، وهو حليب مضاف إليه مواد أخرى، قبل خروجهم إلى الليل.

وهنا يضع ستانلي كوبريك الطفولة والانحراف جنباً إلى جنب منذ الدقائق الأولى، فأليكس شاب صغير، مظهره قريب من عالم المراهقة، لكن شخصيته بعيدة تماماً عن البراءة المرتبطة بهذا العمر.

لهذا ظل المشهد واحداً من أكثر صور الفيلم رسوخاً، فالبياض في الكوب لا يعطي إحساساً بالنقاء، وإنما يزيد المفارقة وضوحاً، والشيء الذي يفترض أن يكون بسيطاً وآمناً يبدأ بالتحول إلى جزء من عالم بارد ومصطنع ومزعج.

وفي «ليون: المحترف»، يتغير المعنى تماماً، فليون يشرب الحليب كثيراً، لكنه ليس شريراً بالمعنى التقليدي، ويكشف الحليب هنا نقصاً في النضج أكثر مما يكشف قسوة، فليون شخص بالغ يعرف كيف يؤدي عمله بكفاءة، لكنه محدود اجتماعياً وعاطفياً، ويعيش بطريقة شديدة البساطة، يحمل بعض الشر الظاهري، ولكن تكوينه الداخلي هو ليس شريراً، ولذلك كان مشهد الحليب دلالة نفسية عن التناقض بين الشكل القاسي والحقيقة الطيبة.

ولا يعد الحليب اختراعاً حديثاً في لغة السينما، فقد استخدمه ألفريد هيتشكوك قبل عقود في مشاهد تتحول فيها الأشياء اليومية إلى مصدر للشك، فقد كان يعرف أن الأشياء المألوفة قد تكون أكثر إثارة للتوتر من الأشياء الواضحة، لأن المشاهد لا يكون مستعداً للخوف منها.

لكن من الخطأ أيضاً تحويل كل ظهور للحليب إلى نظرية كبرى، فبعض المشاهد تستخدمه للطفولة، وبعضها للسيطرة، وبعضها للهشاشة النفسية، فقوة السينما تكون أحياناً في أنها لا تعطينا معنى واحداً جاهزاً، وهذا ما يجعل هذا التفصيل ممتعاً نقدياً.