«ذا منيو».. تشريح من خمس وجبات للطبقية والتواطؤ

لقطة من فيلم «قائمة الطعام»
لقطة من فيلم «قائمة الطعام»
رالف فاينز في دور الطاهي- «قائمة الطعام»
رالف فاينز في دور الطاهي- «قائمة الطعام»
ملصق فيلم «مثلث الحزن»
ملصق فيلم «مثلث الحزن»
ملصق فيلم «طفيلي»
ملصق فيلم «طفيلي»
ملصق فيلم «غلاس أونيون»
ملصق فيلم «غلاس أونيون»

يأتي فيلم «قائمة الطعام» (ذا منيو) للمخرج مارك مايلود إلى مائدة العشاء متسلحاً بمشرط جراحي يُخفي نفسه في هيئة ملعقة تذوق. فمن حيث الظاهر، يُعد الفيلم من أفلام الإثارة والتشويق في عالم الطهي، وتدور أحداثه داخل مطعم حصري يُدعى «هوثورن» على جزيرة نائية، حيث يجمع الطاهي الشهير جوليان سلوفيك (رالف فاينز) قائمة ضيوف تضم الأثرياء، والمدعين، والمتواطئين في أمسية كُتب لها أن تنتهي بعنف دموي.

ولكن تحت هذه الحبكة، يقدم الفيلم رمزية حول حالة الإنهاك التي تخلفها خدمة الأثرياء - بمعناها الحرفي - وما يحدث عندما تتوقف طبقة الكادحين والخدم عن التظاهر بالامتنان.

يؤدي «فاينز» دور «سلوفيك» بهدوء مريب يماثل هدوء رجل متصالح مع نهايته المحتومة. فمطبخه يدار بأسلوب أشبه بطائفة مغلقة، وأفراد طاقمه يتحركون بدقة تشبه طقوس الأتباع المريدين.

أما «مارغو» ( أنيا تايلور جوي)، فتمثل الدخيل الهيكلي في القصة؛ فهي بديلة لحظات أخيرة لرفقة لم تكن ضمن قائمة الضيوف التي صممها سلوفيك بعناية - قائمة تضم نقاد طعام، وممثلين أفل نجمهم، ورواد تكنولوجيا، وغيرهم.

إن وجودها يربك خطته، لأنها تنتمي لطبقة الخدمة وعملت فيها، ولم تكن مجرد مستهلكة لها. ويتحول هذا التمايز إلى العمود الفقري الأخلاقي للفيلم: الفارق الجوهري بين أولئك الذين يخلقون القيمة، وأولئك الذين يكتفون بشراء حق الوصول إليها.

إن ما يجعل فيلم «قائمة الطعام» هجاءً طبقياً فعالاً ومؤثراً هو التزامه جانب الضبط والترفع؛ فهو لا يمارس الوعظ المباشر، بل يدع كل وجبة من وجبات الطعام تكشف عن نكهة مختلفة من نكهات النفاق، من ناقدة الطعام التي صنعت مسيرة طاهٍ ثم دمرت مسيرة آخر بكل استخفاف، إلى رجال الأعمال الذين يسرقون الوصفات دون أدنى خجل، و الممثل الذي يتباهى بعلاقاته وأسمائه الشهيرة مع كل طبق يُقدم.

إن كل ضيف من الضيوف متورط في ذات الصفقة التبادلية: استنزاف الجهد والعمل، أو اقتطاع القوت المادي من أناس لا يرونهم بشراً في واقع الأمر.

ومن هذا المنطلق، فإن إرهاب «سلوفيك» في عالم الطهي يُطرح لا بوصفه شروراً مجردة، بل فعل أخير وحاسم لحرفيّ مستهلك ومحترق نفسياً، يسعى للنهوض واسترداد الملكية الفكرية والإنسانية لحياة قضاها في إطعام أناس لم يتذوقوا شيئاً على حقيقته قط.

عند مقارنته بالأعمال السينمائية المعاصرة له، ينتمي فيلم «قائمة الطعام» إلى حقبة غير رسمية من أفلام أوائل العشرينيات من هذا القرن التي حولت الهجاء الطبقي وسخرية «التهام الأثرياء» (Eat-the-rich) إلى نوع سينمائي قائم بذاته، مثل «مثلث الحزن» (Triangle of Sadness - 2022)، و«غلاس أونيون» (Glass Onion - 2022)، وبدرجة أقل فيلم «طفيلي» (Parasite - 2019)، والذي يصح القول إنه وضع النموذج الأولي الذي ما زالت هذه الأفلام تستقي منه.

لكن ما يميز فيلم «قائمة الطعام» هو تركيزه المباشر؛ ففي حين يتناول «طفيلي» العنف الهيكلي والمكاني للطبقية - من يعيش في الأعلى ومن يقطن في الأسفل - ويذهب «مثلث الحزن» نحو هجاء أوسع وأكثر فوضوية ..

حيث تنهار المفاهيم عن الجمال والمال والأخلاق في قذارة مادية صريحة، يضيق فيلم «قائمة الطعام» تصويبه نحو صفقة تبادلية واحدة وحميمة: الخدمة.

إن الفيلم أقل اهتماماً بالثراء في حد ذاته، وأكثر تركيزاً على الكلفة النفسية المترتبة على تلقي الأجر مقابل الابتسام في وجوه أناس كادوا لا يشعرون بوجودك أساساً.

وهذا ما يجعله أقرب روحياً إلى اهتمام «طفيلي» بجوانب العمل والضغينة، مقارنة بالطاقة الكوميدية وأجواء التحري والرعب الخفيف في «غلاس أونيون»، على الرغم من أن «قائمة الطعام» يستعير مناخ التوتر القائم على المكان المغلق والدائرة المغلقة لأفلام الغموض.

وهناك أيضاً انضباط شكليّ في فيلم «قائمة الطعام» يجعله فريداً بين أقرانه؛ فهيكله —الذي يعتمد تقديم 5 وجبات كفصول، يُعلن عن كل منها ببطاقات عناوين معقمة تشبه تلك المستخدمة في المطاعم الفاخرة— يحاكي ببراعة التكلف والاستعراض ذاته الذي ينتقده. ويجعل الجمهور يشعر أنه متواطئ مع الشخصيات التي يعذبها الشيف سلوفيك بإرهابه.

وإذا كان فيلم «طفيلي» يرى أن الانقسام الطبقي هو مسألة هيكلية، وكان «مثلث الحزن» يراه أمراً عبثياً، فإن «القائمة» يقدم طرحاً أكثر هدوءاً وأشد سوداوية: وهو أن الأثرياء قد حولوا «استهلاك البشر» إلى شكل من أشكال الفن دون أن يشعروا بذلك، وأن التمرد الوحيد المتبقي لمن يقدمون الخدمة لهم هو أن يضمنوا - وللمرة الأخيرة - أن ينتبه هؤلاء الأثرياء ويروا الحقيقة جليّة.