الصندوق المشتعل: تفكيك تحفة «القبلة القاتلة» وإرثها البصري الخالد

هناك أفلام وُجِدت لتُسلّي، وأفلام أخرى وُجِدت لتُفجّر؛ وتحفة المخرج «روبرت ألدريتش» السينمائية، «القبلة القاتلة» (Kiss Me Deadly) الصادرة عام 1955، تنتمي بلا أدنى شك إلى الفئة الثانية.

ورغم أن الفيلم قوبل بالرفض والازدراء عند عرضه الأول، بل وأدانته لجنة فرعية تابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي بوصفه عملاً «صُمِّم خصيصاً لإفساد المشاهدين الشباب»، فقد عُدَّ منذ ذلك الحين واحداً من أهم أفلام «النوار» وأكثرها تأثيراً في تاريخ الشاشة الفضية عبر سبعة عقود من تاريخ السينما.

​يفتتح الفيلم كادره بصورة ترفض الانصياع لأي قواعد مستقرة؛ امرأة تلهث وتندفع ركضاً على طول طريق سريع ولا ترتدي سوى معطف مطر، ورجل يقود سيارة رياضية مسرعة ينحرف نحوها لتفادي اصطدام وشيك. وفي خطوة غير متوقعة، يقلّها معه في السيارة — لينقطع المشهد فجأة وتتحرك تترات البداية بشكل معكوس من الأعلى إلى الأسفل. ومنذ تلك الدقيقة الأولى الجريئة، يرسل ألدريتش إشارة واضحة بأن التقاليد المريحة لهذا النوع السينمائي لن تسلم بين يديه.

​يتحرك المحقق الخاص «مايك هامر» -الذي جسده «رالف ميكر»- بوقاحة ليتعثر في لغز يحيط بحقيبة متوهجة؛ علبة ساخنة عند لمسها، تحوي شيئاً لا يستوعبه هو ولا الجمهور بشكل كامل إلا بعد فوات الأوان. هذا «الشيء الغامض العظيم»، كما بات يُعرف لاحقاً، هو إشارة إلى القنبلة الذرية — وتجسيد لرهاب وهوس الرعب النووي الذي التهم أمريكا في حقبة الحرب الباردة في السنوات التي تلت كارثة هيروشيما.

ونتيجة هذا العمل كان شيئاً لم تألفه السينما من قبل؛ إذ نجح استخدام ألدريتش للقطات القريبة والزوايا المائلة الملتوية، والقطع المونتاجي المفاجئ الصادم، والظلال العميقة في خلق إحساس خانق بالارتياب والهلوسة.

بيد أن السمة الأبرز للفيلم أنه لا ينتهي، بل ينفجر ويتفجر.

​وقد أدرك النقاد الفرنسيون على الفور ماهية هذا العمل وجوهره؛ إذ أشار كل من «فرانسوا تروفو» و«جان لوك غودار» إلى الفيلم بوصفه العمل الأمريكي الأوحد المسؤول عن ولادة «الموجة الجديدة الفرنسية» (French New Wave).

وقد اعترف تروفو بأثر الفيلم في صياغة أسلوبه الإخراجي ورأى مجتمع نقاد مجلة «كراسات السينما» في عدمية ألدريتش وهجومه الشديد على القوالب التقليدية بمثابة «صك غفران وضوء أخضر» لتدشين نوع جديد من صناعة الأفلام؛ نوع يثق في عتمة الظلال، ويرفض الحلول والمثالية الأخلاقية.

​وتحولت تلك الحقيبة المتوهجة واحدة من أكثر الصور البصرية محاكاة واستنساخاً في تاريخ الفن السابع؛ نلمح آثارها في فيلم Repo Man عام 1984 للمخرج أليكس كوكس، وفيلم Pulp Fiction عام 1994 لكوينتن تارانتينو، وفيلم Ronin عام 1998 لجون فرانكنهايمر. بل إن «ستيفن سبيلبرغ» يقتبسها ويشير إليها بوضوح خلال الخاتمة الشهيرة لفيلم Raiders of the Lost Ark. إن ما أورثه فيلم «القبلة القاتلة» للسينما كان شيئاً أعصى على التسمية والمأسسة: الفكرة المتمثلة في أن نهاية الفيلم لا تحتاج إلى تسوية وحسم، بل إلى تمزيق للحبكة، وأن النهاية الأصدق لقصة حول الجشع البشري والارتياب قد تكون الفناء والقيامة.

​ولم يستوعب مخرج هذا الدرس بدقة متناهية ويمتصه مثل المخرج «روبرت إيجرز» في فيلمه The Lighthouse عام 2019. ففي إطار أبعاد خانقة Aspect Ratio تبلغ 1.19:1 ومصورة على شريط 35 ملم بالأبيض والأسود، يأتي دراما النفس والبحار لإيجرز حول حارسي منارة ينحدران نحو الجنون في جزيرة موحشة قبالة سواحل مين، كعمل غارق في مرجعياته الأدبية والسينمائية؛ إذ تتغذى حبكته على أدبيات بو، وميلفيل، ولوفكرافت، وبيكيت، وبنتر.

لكن في اللحظة االحاسمة فإن المعرفة المحرمة التي يبحث عنها «إفرايم وينسلو» في غرفة الفانوس العلوية تقود إلى لحظة شبيهة بفتح «صندوق باندورا»، وهي لحظة تتصل بجذورها مباشرة بفيلم روبرت ألدريتش «القبلة القاتلة».

​إن هذا التوازي بنيوي؛ فمثلما تفتح «ليلي» الصندوق المتوهج في فيلم ألدريتش وتطلق عنان دمار شامل لا تملك القدرة على السيطرة عليه، يصل «وينسلو» أخيراً إلى ذلك الضوء المبهر والمُعمي الذي حُرِم منه طوال رحلة عذابه وتنقيبه، فيلتهمه الضوء ويفنيه.

يطرح كلا الفيلمين السؤال ذاته ويقدمان الإجابة عينها: ماذا يحدث عندما يستولي إنسان، مدفوعاً بالهوس والتحدي، على الشيء المحرم؟ إنه يحترق. فالضوء هنا لا يضيء ولا يمنح الهداية؛ بل يسحق ويفني.