تعد «الأوديسة» واحدة من أقدم النصوص المؤسسة في الأدب الغربي، وواحدة من أكثر الحكايات بقاءً في الذاكرة الإنسانية. منذ نحو 3 آلاف عام، ظلّت رحلة أوديسيوس من حرب طروادة إلى إيثاكا تقرأ وتُترجم وتُعاد كتابتها، كأن كل زمن يجد فيها صورته الخاصة عن الحرب والغياب والبيت.
لكن تحويل نص بهذا العمر إلى فيلم ليس مهمة بسيطة. فـ«الأوديسة» لم تولد رواية حديثة ذات بداية ووسط ونهاية، بل ملحمة شعرية شفهية تُنسب إلى هوميروس، تتكون من 24 كتاباً، وتقوم على الإيقاع والتكرار والاسترجاع وتدخل الآلهة في مصائر البشر. إنها نص عاش قروناً قبل السينما، وقبل الرواية الحديثة، وقبل فكرة "البطل" كما نعرفها اليوم.
لهذا، فإن نسخة نولان لا يمكن أن تكون نقلاً حرفياً. فكل اقتباس من «الأوديسة» هو اختيار: ماذا نبقي؟ ماذا نختصر؟ هل نرويها كحكاية آلهة ووحوش، أم كرحلة إنسان خرج من الحرب ولم يعرف كيف يعود؟ وهل يظل أوديسيوس بطل الحيلة كما في القصيدة، أم يصبح فيلماً معاصرًا عن الذاكرة والذنب والنجاة؟
هنا يبدأ الفرق الحقيقي بين هوميروس ونولان: فملحمة هوميروس لم تكن رواية خطية بالمعنى الحديث. كانت قصيدة تُروى وتُغنى، تقوم على التكرار والإيقاع والعودة إلى الماضي وتدخلات الآلهة. أما فيلم كريستوفر نولان فيأتي كحدث سينمائي ضخم بميزانية تُقدّر بنحو 250 مليون دولار، وتصوير كامل بكاميرات آيماكس 70 ملم، وطرح عالمي صُمم ليكون تجربة بصرية كبرى، لا مجرد درس أدبي على الشاشة.
قصيدة وشاشة
الفرق الأول بين الأصل والفيلم في طبيعة السرد. هوميروس لا يبدأ القصة من سقوط طروادة، بل من منتصف الأزمة، أوديسيوس غائب منذ سنوات، وبينيلوبي محاصرة بالخُطّاب، وتيليماخوس يبحث عن أبيه. ثم نعرف مغامرات أوديسيوس لاحقًا من خلال الحكي والاسترجاع.
لكن السينما غالباً تحتاج إلى ترتيب أوضح وإيقاع أسرع. لذلك، أي فيلم عن «الأوديسة» سيضطر إلى الاختيار: هل يحافظ على البناء غير الخطي؟ هل يبدأ من طروادة؟ هل يعطي البحر مساحة أطول؟ هل يختصر بعض المحطات؟
بطل مختلف
في الأصل، أوديسيوس بطل الحيلة، فشهرته قائمة على الذكاء والخداع والقدرة على النجاة. لكن القراءات الحديثة تميل إلى رؤيته كشخص أكثر تعقيدًا: محارب عائد من حرب طويلة، يحمل ذنباً وصدمة وتعباً.
هنا تظهر أهمية ترجمة إميلي ويلسون لعام 2017، التي أعادت تقديم الملحمة بلغة حديثة وسهلة، فافتتاحيتها الشهيرة تصف أوديسيوس بأنه «رجل معقد»، في ترجمة لكلمة يونانية طالما تُرجمت بمعاني مثل «كثير الحيل» أو «متعدد الطرق». ويغير هذا الاختيار نظرتنا إليه: ليس مجرد بطل ذكي، بل شخصية مليئة بالتناقضات.
آلهة أقل
تميل الاقتباسات الحديثة، ومنها قراءة نولان، إلى تقليل التدخل الإلهي المباشر لصالح المسؤولية النفسية والأخلاقية. بدل أن يكون كل شيء نتيجة غضب إله، يصبح السؤال: ماذا فعلت الحرب بأوديسيوس؟ ماذا فعل الغياب ببيته؟ وماذا يعني أن يعود رجل محملًا بالعنف إلى مجتمع ينتظره بوصفه ملكًا؟
نساء أكثر
واحدة من أهم مناطق التغيير في الاقتباسات الحديثة هي الشخصيات النسائية. في الأصل، تبقى بينيلوبي رمزاً للوفاء والانتظار، بينما تظهر سيرسي وكاليبسو غالباً من زاوية رحلة أوديسيوس. لكن الفيلم الحديث لا يستطيع أن يتركهن مجرد محطات في طريق البطل.
لذلك، من المتوقع أن تصبح بينيلوبي أكثر من زوجة تنتظر، وسيرسي أكثر من ساحرة، وكاليبسو أكثر من امرأة تؤخر عودة الرجل. هذا التحول يعكس قراءات معاصرة تسأل اسئلة حديثة تعكس الواقع اليومي.
أرقام ضخمة
«الأوديسة» ليس اقتباساً صغيراً من نص كلاسيكي. فتشير تقارير إلى أن ميزانيته تقارب 250 مليون دولار، ما يجعله أضخم أفلام نولان تكلفة. كما أنه أول فيلم تجاري كبير يُصور كاملًا بكاميرات آيماكس 70 ملم، وهي نقطة جعلت التجربة التقنية جزءاً من الدعاية نفسها.
افتتح الفيلم في عروض الخميس بأمريكا الشمالية بنحو 17.6 مليون دولار، وهو رقم قياسي لعروض المعاينة في 2026 بحسب تقارير شباك التذاكر. وفي الهند، سجّل في يومه الأول نحو 20 كرور روبية، ليصبح من أكبر افتتاحات أفلام هوليوود هناك. أما التوقعات المبكرة فتضع افتتاحه المحلي في عطلة نهاية الأسبوع قرب 117 مليون دولار، مع إمكانية تجاوز 200 مليون دولار عالمياً إذا استمر الزخم الدولي.
نهاية أخرى
في ملحمة هوميروس، يعود أوديسيوس، يقتل الخُطّاب، يستعيد بيته، ثم تتدخل أثينا لإنهاء دورة الانتقام. أما التقارير عن نسخة نولان تشير إلى تغييرات في النهاية، منها تقليل دور التدخل الإلهي، ومنح تيليماخوس موقعاً أكبر، وربط عودة أوديسيوس بفكرة الذنب والتكفير أكثر من استعادة السلطة فقط.
وربما تكون هذه هي قوة «الأوديسة»، فكل زمن يجد فيها رحلته الخاصة. عند هوميروس، هي رحلة ملك إلى بيته. عند نولان، قد تكون رحلة إنسان إلى ما تبقى منه.
